الاردن بين الدولة و المجتمع: التيارات الخمسة و معركة الوعي و الولاء
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة برأيي من منظور العلوم العصبية فإن الافكار تشكل تصورات و هذه تشكل مع التكرار قناعات و عندما تمتزج بالعواطف السلبية او الايجابية تشكل سلوك و هذا عندما يتكرر يصبح عادة او نمط.من هذا المنظور ان اردنا ان نشخص الوضع الحالي في الاردن لا بد من تقسيم الدولة الى ثلاث مستويات؛ المجتمع و الفراغ او الحيز ثم في اعلى الهرم السلطة سواءا الحكومة او الموسسات المؤثرة في صنع القرار.الحيز او الفراغ يتمدد او يضيق وفقا لقدرة السلطة على الاستجابة لحاجات المواطنين و تكافؤ الفرص و توزيع التنمية و حل مشكلات التضخم و البطالة او على الاقل الامل بحلها.برأيي ان هذا الحيز تملأه بالعادة التيارات السياسية و الدينية و منظمات المجتمع المدني و الاحزاب و العشائر بحيث يكون التفاعل بينها اما جسرا لتعزيز الثقة بالدولة او منفذا لضرب تلك الثقة و اضعاف سلطة الدولة.برأيي حاليا اتسع هذا الحيز و تملأه خمسة تيارات مع تراجع في دور العشيرة لاسباب لا مجال للتوسع بها هنا و تراجع مؤسسات المجتمع المدني مع صعود توجه جديد في امريكا ضدها و ضد تمويلها.عندما أرى هذا الحيز او المستوى بين المجتمع و السلطة فكأنني انظر للمشهد الثقافي الاجتماعي السياسي فأرى مشهدين؛ الاول تيار وطني اردني من شتى الاصول و المنابت يرى نفسه من الشعب و الدولة الاردنية و مصيره من مصيرها و يقف معها عند تعارض المصالح. بالمقابل ارى في المشهد الآخر خمس تيارات ان اردت تقييم فكرها و ليس الافراد او الاحزاب باعتبار هذه طيف واسع فإنني ارى التيار الاول الاسلام السياسي الذي يؤمن كفكر بالخلافة او الوحدة الاسلامية بالتالي يقوم على رجال يحكمون باسم حق مقدس، التيار الثاني القوميين و جله من اليسار و هؤلاء يؤمنون بدولة عربية و رجال يحكمون بقدسية القومية و التي تطورت لتصبح قدسية المقاومة حسب تعريفهم، التيار الثالث الليبرالي فهو صاعد يقوم على الانسانية و الحقوق الفردية و قوته تعتمد على قوة الليبرالية العالمية، أما التيار الرابع فهو التيار التوطيني و الذي يشكل نسبة قليلة لكن حضورها الإعلامي قوي و منتشر و هؤلاء يبدو لي انهم سلموا بانتصار المشروع الصهيوني و يبحثوا عن صراع يعتقدون انه اقل كلفة و بالتالي يدعمون التهجير و التوطين و يسوقون للروايات الصهيونية. أما التيار الخامس فهو ما اسميه تيار طرواده و هذا التيار هو اسير مصالحه و فقط مصالحه لذلك فهو يتقلب يمينا و شمالا حسب ميزان القوى و المكاسب لذلك قد تجده اليوم ينادي باسقاط الحكومة و غدا يعطي محاضرات في الوطنية و قد تجده بعد غدا ترتفع حناجره بمقاطعة امريكا لتجده في اليوم الذي يليه على ابواب سفارتها.ما يجمع التيارات في المشهد الثاني هو عدم ايمانها فكريا بالدولة الوطنية و ثنائية الخطاب اي المعادلة الصفرية فمن يوافقها حريص على الدين مقاوم تقدمي متحضر منفتح و من يعارض خطابها ضد الدين و عميل و رجعي و متعصب و متحجر. الخلافات بين هذه التيارات عميقة و لكن يجمعها فكريا عداء الدولة الوطنية.لكن المشهد لا يقف هنا بل يتعداه ان هذه التيارات سمح لها بتقديم كفاءات مقابل تهميش الكفاءات في التيار الوطني الاردني. بما ان الشارع يعجب بالخطاب الذي يخاطب العاطفة و يقدم نموذج معرفي اعلى فقد اختطفت هذه التيارات الوعي المجتمعي و عمقت فجوة الثقة بين المواطنيين و الدولة و مع الوقت اتقنت ان تحول قضايا فردية عادية الى مشكلات وطنية.
المصدر: عمون