السفير السويسري بالقاهرة يشيد بعظم حضارة مصر خلال احتفال اليوم الوطني
وجه السفير السويسري بالقاهرة الدكتور اندرياس باوم التحية لحسن رداد، وزير العمل، ممثلا عن الحكومة المصرية، خلال الاحتفال مساء اليوم باليوم الوطني السويسري . اضاف: كما تعلمون، فقد مر أكثر من شهرين على الموعد الفعلي لعيدنا الوطني، لكنكم ستتفقون معي على أن اعتدال الجو في هذا الوقت من العام يجعله أنسب للاحتفال في الحديقة، أتم هذه الأيام عامي الثاني في مصر. وما زلت أكتشف فيها كل يوم شيئًا جديدًا. في العام الماضي، حدثتكم عن جولاتنا سيرا على الأقدام في شوارع القاهرة. أما هذا العام، فكانت لي أول رحلة نيلية في حياتي، اتجهت فيها جنوبا لاكتشاف جمال الصعيد وآثار مصر القديمة. اسمحوا لي أن أشارككم بعض ما خرجت به من هذه الرحلة، وإن كانت بعض ملاحظاتي قد تبدو مألوفة لمن سبقوني إلى هذه الأماكن. وبما أنكم خصصتم لنا وقتا هذا المساء، فسأكافئكم بالحكاية المطولة. وخلال رحلتي على النيل، أسرني جمال ما رأيته والهدوء من حولي. وجدت هناك مصر التي طالما تخيلتها، بعيدا عن صخب القاهرة الذي قد يصعب أحيانًا مجاراته. لكن انبهاري بهذا الجمال لا ينسيني صعوبة الحياة التي يعيشها كثير من سكان ضفاف النهر. وأضاف السفير السويسري : "ويذكّرنا اهتمام المصريين القدماء بالحياة الآخرة بأن الإنسان كان دائمًا منشغلًا بما سيتركه بعد رحيله. وقد قرأت مؤخرًا، في مقال يتناول موضوعًا مختلفا تمامًا، أننا نصل إلى مرحلة من العمر يقل فيها اهتمامنا بإضافة إنجازات جديدة إلى سيرتنا المهنية، ونبدأ في التفكير أكثر فيما سيذكرنا الناس به. أما النزول إلى المقابر، فليس من الأنشطة المفضلة لدي. أشعر أنني استبق الأمور قليلا لكنني وجدت في الداخل ما يستحق الزيارة: الألوان. فمصر، خلافًا لما قد نظنه للوهلة الأولى، ليست كلها بلون الرمال". أضاف : " هناك درجات رائعة من الأزرق والأخضر والأصفر الترابي، وألوان أخرى كثيرة، تجتمع في تناسق جميل. وهذا يختلف عما نراه اليوم من ميل إلى جعل كل شيء متشابها، وتوحيد الأشكال والمعايير، واختيار الأسهل، والسير مع التيار. وربما يعكس ذلك أيضًا تغيرات أوسع في مجتمعاتنا، مع تزايد تأثير الذكاء الاصطناعي ووسائل التحكم في حياتنا. خذوا السيارات مثلا معظمها اليوم أسود أو أبيض أو رمادي. أما قبل خمسين عامًا، ولمن يتذكرون، فكان زحام الشوارع يجمع ألوانا جريئة وخيارات لا تخلو من الخيال. وأنا أحب الألوان، ولا أمانع شيئًا من الجنون" . وهنا أستشهد بالبابا لاون الرابع عشر، الذي تحدث مؤخرًا في باريس عن «البحث عن الجمال والخير والحقيقة». ومن يتابع النقاش السياسي في سويسرا، سواء بشأن أوروبا أو الحياد أو الهجرة، سيلاحظ سؤالا يتكرر دائمًا: هل نحن بلد كسائر البلدان، أم أن لنا خصوصية تجعلنا حالة استثنائية؟ وأخيرًا، فإن المرشدين السياحيين المتمكنين، وهم يشرحون لنا الرسوم والرموز الملوّنة، يقدمون حججًا مقنعة على أن كل شيء تقريبًا، بل كل شيء فعلا، من العلوم إلى الطبخ، اخترعه المصريون. وبعد أسبوع، كنت قد اقتنعت تمامًا. فهل هناك، على غرار متلازمة ستوكهولم، ما يمكن أن نسميه «متلازمة القاهرة»؟ بدأت حديثي بتجربة شخصية. وذكرتني الرحلة أيضًا، خصوصا وسط التحولات غير المتوقعة التي نعيشها اليوم، بأن حتى أعظم الحضارات لا تدوم إلى الأبد. فلا شيء يبقى على حاله، وما نراه اليوم ثابتا قد يتغير غدًا. ومن المؤثر أن نكتشف أن البشر، قبل آلاف السنين كانت لهم تطلعات تشبه تطلعاتنا، وأنهم طرحوا الأسئلة نفسها عن معنى الحياة، واستعدوا لما قد ينتظرهم بعدها. ويبقى البحث عن المعنى حاضرًا في كل مراحل حياتنا. وأمام مياه النيل، يجد المرء فرصة للتأمل في هذا السعي الذي لا ينتهي. فالقدماء انشغلوا ببناء مقابر بديعة، ونحن ننشغل ببرامج العمل المزدحمة، وحتى في إجازاتنا نضع لأنفسنا قوائم طويلة من الأماكن والتجارب التي لا بد أن تلحق بها. ويبدو أننا بارعون في إبقاء أنفسنا مشغولين، مع أن ما نتوق إليه في النهاية هو المعنى والهدوء وراحة البال. يسعدني ويشرفني أن أرى هذا العدد الكبير من الأصدقاء، وأشعر بامتنان عميق لما تبادلوننا إياه من مودة. نجتمع اليوم للاحتفال بمرور ٧٣٥ عامًا على تأسيس سويسرا، ويزيّن احتفالنا هذا العام اللونان الأحمر والأبيض، كما جرت العادة. لكن الدول والمجتمعات تشبه الأفراد في جوانب كثيرة. تمر علينا فترات هادئة، وأخرى مليئة بالتحديات، تتلاحق فيها الأحداث الكبرى حتى نشعر بأن التاريخ يجري أسرع من قدرتنا على استيعابه. ونحب أن نعتقد أننا متميزون، وأن لنا خصوصية تجعلنا استثنائيين. وهذا صحيح إلى حد ما. لكننا لا نزدهر إلا بالتعاون والبحث عن القيم التي تجمعنا. وهذه الفكرة الأخيرة هي ما نشير إليه في سويسرا بتعبير «الحالة الخاصة». أما مصر، فلا أحتاج أمام هذا الجمع إلى تقديم أدلة على أنها بلد استثنائي. لكن الخطوة التي تحقق نتائج فعلية هي أن نستفيد مما يميز كلا منا، ونعمل معا لما فيه خير الجميع.
المصدر: اليوم السابع