شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

خذلان بعد إحسان

خذلان بعد إحسان

يمر الإنسان في حياته بتجارب ومواقف تترك آثارها في نفسه، منها ما يزيده وعياً ونضجاً، ومنها ما يخلّف جراحاً قد تمتد آثارها إلى نظرته للحياة والناس من حوله. وليس بالضرورة أن يكون أشد هذه التجارب إيلاماً ما يفقد فيه الإنسان مالاً أو مصلحة، بل قد يكون أشدها وقعاً ما يتعرض فيه للخذلان ممن أحسن إليهم، أو الجحود ممن ظن أنهم أقدر الناس على تقدير عطائه.وتــزداد هــــذه التجارب قســــوة حــــين تصدر ممن تربطنا بهم علاقات وثيقة؛ فالألم الذي يأتي من غريب قد يهون مع الأيام، أما حين يأتي من قريب منحناه ثقتنا ومودتنا، فإنه قد يترك في النفس أثراً يتجاوز حدود الموقف نفسه، ليطول ثقتنا بالآخرين، وربما نظرتنا إلى فئة كاملة من الناس.ولعل العلاقات الأسرية من أكثر العلاقات التي يظهر فيها هذا الأثر؛ لأنها لا تقوم على المصالح، وإنما على المودة والرحمة والثقة والتضحيات المتبادلة. ولذلك فإن الخذلان داخل الأسرة لا يُقاس بحجم الموقف وحده، بل بمكانة من صدر عنه، وبما كان يحمله الإنسان من توقعات وآمال تجاهه. منذ دقيقتين منذ دقيقتين ومن صور هذا الخذلان حال زوج أمضى سنوات من حياته يبذل ما يستطيع لإسعاد أسرته، ويوفر لها من أسباب الراحة ما تسمح به ظروفه، ومع تغير أحواله المادية وعجزه عن توفير بعض ما اعتادوا عليه يتفاجأ بالخذلان ونسيان ما فات من عطاء، وكأن سنوات العِشرة والإحسان قد تلاشت أمام ما عجز عن تقديمه اليوم.ومثل هذا الخذلان قد يترك في النفس جرحاً عميقاً، لما يحمله من شعور بانكسار الثقة وخيبة الأمل. غير أن المشكلة أحياناً تمتد إلى تكوين نظرة سلبية تجاه آخرين لم يكونوا طرفاً فيها.وقد يتحول هذا الجرح إلى ما يُعرف في علم النفس بـ«التعميم المفرط»، حين ينتقل الإنسان من تجربة خذلان مع شخص واحد إلى تكوين نظرة سلبية تجاه فئة كاملة من الناس، فيصبح ما تعرض له من إساءة معياراً يحكم به على الآخرين، رغم اختلاف طباعهم وأخلاقهم وظروفهم.والواقع أن هذا الإنسان قد لا يكون مدفوعاً بكراهية الآخرين بقدر ما يكون مدفوعاً بالخوف من تكرار التجربة؛ فيتخذ من الشك والقسوة والعزلة وسائل يحاول بها حماية نفسه من ألم جديد، دون أن يدرك أن ما يظنه حماية لنفسه قد يتحول إلى حاجز يحول بينه وبين علاقات إنسانية صادقة.لكن أخطر ما يتركه الخذلان في النفس ليس أن نفقد الثقة بمن أساء إلينا، بل أن تصل هذه الريبة إلى من لم يسيئوا إلينا أصلاً، فنحمّلهم تبعات أخطاء لم يرتكبوها.والأشد هو وصولها إلى سلوكه وعلاقاته بمن حوله؛ فيصبح أقل قُدرة على تقبّل الآخرين، وأكثر ميلاً إلى تفسير تصرفاتهم على ضوء تجربته السابقة.وقد ينعكس ذلك على علاقاته الأسرية والاجتماعية، فيضعف التواصل، وتتسع مسافات الجفاء، وربما من حُرم من علاقات صادقة كان يمكن أن تعيد إليه شعوره بالأمان. وهكذا لا يبقى أثر الخذلان حبيس التجربة الماضية، بل يمتد إلى الحاضر، وقد يؤثر في المستقبل.من الطبيعي أن يتألم الإنسان حين يتعرض للصد والخذلان، وليس مطلوباً منه أن ينسى جراحه بشكل سريع، ولكنه يحاول أن يمنح نفسه الوقت الكافي للتعافي، وأن يتعلم من تجربته دون أن يجعل منها ميزاناً يحكم به على الجميع.فالحذر بعد الخذلان قد يكون حكمة، أما إساءة الظن بالجميع فهي عقوبة يفرضها الإنسان على نفسه قبل غيره؛ إذ يحرم نفسه من فرص المودة والثقة والعلاقات الصادقة بسبب تجربة لم يكن الآخرون طرفاً فيها.وإذا اشتدت عليه مشاعر المرارة، واستحكمت في نفسه العزلة وسوء الظن، فإن طلب المساندة النفسية ليس دليل ضعف، بل خطوة واعية نحو استعادة طمأنينته وتوازنه النفسي، ومع ذلك فإن المجروح لا يخجل من طيبته، ولا يندم على عطائه، أو يظن أن وفاءه كان خطأً.فاجعل بداية تعافيك في استعادة سلامك النفسي واحترامك لذاتك، لا في انتظار إنصاف الآخرين لك.فلا تسمح لأحد أن يسلبك أجمل ما فيك من صدق ووفاء وإنصاف، ولا تجعل من تجربة مؤلمة حكماً على بقية البشر؛ فقد تخسر إنساناً كنت تظنه الدنيا كلها، لكن لا ينبغي أن تخسر الدنيا كلها بسببه.aaalsenan @

المصدر: الرأي