شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

تعظيم القيمة المتولدة من الإنفاق العام والخاص

تعظيم القيمة المتولدة من الإنفاق العام والخاص

د. حمد الكساسبة في الاقتصاد، لا تتحدد قيمة الإنفاق بحجمه وحده، بل بما يستطيع أن يولده بعد حدوثه. فالدينار قد ينتهي أثره عند عملية شراء واحدة، وقد يبدأ مساراً أوسع تنتقل فيه القيمة إلى منتج ومورد وعامل وشركة أخرى، فتولد إنتاجاً ودخلاً وفرصاً جديدة. وفي الحالتين يكون حجم الإنفاق واحداً، لكن العائد الذي يحصل عليه الاقتصاد مختلف. ومن هنا تنطلق الفكرة الأساسية: التحدي ليس فقط في زيادة حجم الإنفاق والاستثمار، بل في زيادة القيمة الاقتصادية التي يولدها ما يُنفق بالفعل، وإطالة المسار الذي تسلكه هذه القيمة داخل الاقتصاد.ومن هنا، لا يعني تعظيم القيمة المتولدة من الإنفاق زيادته أو خفضه، وإنما رفع العائد الاقتصادي مما يُنفق بالفعل. فعندما يتحول الطلب إلى مبيعات لشركات قادرة على المنافسة، ثم إلى طلب على موردين وخدمات وعمالة، تتسع دائرة الأثر. أما عندما يتوقف النشاط عند حلقته الأولى، أو يعتمد بدرجة كبيرة على مدخلات مستوردة، فإن جزءاً أكبر من القيمة يغادر الاقتصاد سريعاً. لذلك، فإن السؤال الأدق ليس: كم أُنفق؟ بل: كم قيمة اقتصادية إضافية ولّد كل دينار أُنفق، وكم من هذه القيمة بقي يعمل داخل الاقتصاد؟وهنا يصبح من الضروري التمييز بين الإنفاق والمخرجات والنتائج والأثر. فقيمة المشروع، وعدد المشروعات التي بدأت أو أُنجزت، وحجم المخصصات التي صُرفت، كلها مؤشرات مهمة على النشاط والتنفيذ، لكنها لا تكشف وحدها مقدار القيمة التي أضيفت إلى الاقتصاد. فالإنفاق ليس نتيجة بحد ذاته، وبدء المشروع لا يكشف أثره الاقتصادي، وحتى إنجاز المشروع لا يكفي للحكم على قيمته قبل معرفة ما ولّده بعد ذلك من إنتاج واستثمار وتشغيل ودخل. وبذلك يصبح «العائد الاقتصادي على الإنفاق» معياراً أكثر فائدة: ماذا ولّد الإنفاق بعد تنفيذه، وليس فقط ماذا موّل؟وتعتمد قوة هذا العائد على مدى ترابط القطاعات وسلاسل التوريد. فالفندق لا يعمل بمعزل عن الزراعة والصناعات الغذائية والنقل والصيانة والخدمات التقنية والمهنية. والمستشفى يرتبط بشبكة واسعة من الموردين والخدمات. أما المشروع الاستثماري فيخلق طلباً على المقاولين والمهندسين والعمال وشركات النقل. وكلما استطاعت الشركات الأردنية الدخول بكفاءة وتنافسية في هذه السلاسل، تحولت أنشطة قائمة أصلاً إلى مصادر لطلب جديد، واتسعت قاعدة المستفيدين منها. هنا لا يتغير الإنفاق الأصلي، لكن قيمته الاقتصادية تصبح أكبر.وهذا يقود مباشرة إلى مسألة النمو. فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة ٣٫٠ بالمئة في الربع الثاني من عام ٢٠٢٦، مقارنةً بـ٢٫٨ بالمئة في الربع نفسه من عام ٢٠٢٥. وهو تطور إيجابي، لكنه يفتح سؤالاً أعمق من معدل النمو نفسه: كم من هذا النشاط تحول إلى قدرة إنتاجية إضافية وروابط أوسع بين القطاعات؟ فعندما تجد الشركات طلباً مستقراً ومتنامياً، تتوسع المبيعات، وتزداد الحوافز للاستثمار وشراء المعدات واستخدام التكنولوجيا وتدريب العاملين وتحسين الجودة. وهكذا، يتحول الطلب من زيادة مؤقتة في المبيعات إلى توسع في القدرة الإنتاجية وارتفاع في الإنتاجية والتنافسية.وتعزز مؤشرات الاستثمار والتشغيل أهمية هذا السؤال. فقد ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة ٢٧٫٧ بالمئة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام ٢٠٢٥، ليصل إلى نحو ١٫٥٢ مليار دولار. كما بلغ صافي فرص العمل المستحدثة للأردنيين ٨٧٬٦١٧ فرصة خلال عام ٢٠٢٥. ومع ذلك، بقي معدل البطالة بين الأردنيين عند ٢١٫٠ بالمئة في الربع الثاني من عام ٢٠٢٦، مقابل ٢١٫٣ بالمئة في الربع نفسه من عام ٢٠٢٥. هذه الأرقام تشير إلى نشاط وتحسن في بعض المؤشرات، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن قياس الأثر يحتاج إلى ما هو أبعد من حجم الاستثمار أو عدد الوظائف المستحدثة؛ إذ يجب أن نعرف نوعية الوظائف واستدامتها وإنتاجيتها، وكيف انعكست على الدخول ومستوى المعيشة.ومن هذا المنظور، تكتسب الأسرة والطبقة الوسطى أهمية اقتصادية تتجاوز كونهما مستفيداً نهائياً من النمو. فعندما تتحول الإنتاجية والاستثمار إلى وظائف أفضل ودخول أكثر استقراراً، تعيد الأسر جزءاً من هذه الدخول إلى الاقتصاد عبر الاستهلاك والادخار والإنفاق على التعليم والصحة والسكن والخدمات. وينشأ بذلك طلب جديد يدعم نشاط الشركات والاستثمار والتوظيف. ومن ثم، فإن ضعف انتقال أثر النمو إلى دخول الأسر لا يمثل قضية اجتماعية فقط، بل يضعف أيضاً إحدى الحلقات التي يحتاجها الاقتصاد لاستمرار دورة الطلب والإنتاج والاستثمار.ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة مخرجات رؤية التحديث الاقتصادي بقدر أكبر من التدقيق. فالتقدم في إطلاق المشروعات وتحريك الاستثمار وخلق فرص العمل مهم، لكنه يمثل جانباً من الصورة فقط. فالقرار ليس نتيجة، وبدء المشروع ليس أثراً، وحتى المشروع المنجز لا يمكن اعتباره نجاحاً اقتصادياً كاملاً قبل معرفة ما الذي تغير نتيجة تنفيذه. لذلك، ينبغي أن ينتقل تقييم مشروعات التحديث تدريجياً من مؤشرات التنفيذ إلى مؤشرات النتيجة والأثر: كم أضاف المشروع إلى الإنتاجية؟ كم ولّد من مشتريات محلية وفرص عمل مستدامة؟ ما حجم القيمة التي بقيت داخل الاقتصاد؟ وكيف انعكس ذلك على دخول الأسر وجودة الخدمات ومستوى المعيشة؟ولا يعني ذلك أن كل ما يحتاجه الاقتصاد يجب أن يُنتج محلياً، أو أن تُعطى الأفضلية للمنتج المحلي بصرف النظر عن السعر والجودة. فالأردن اقتصاد منفتح، والاستيراد جزء طبيعي وضروري من نشاطه. المقصود هو تعظيم القيمة المحلية حيث توجد قدرة حقيقية على المنافسة، وتمكين الشركات الأردنية من المشاركة في سلاسل القيمة عندما يكون ذلك مجدياً وكفؤاً. وبعد سنوات من إطلاق رؤية التحديث الاقتصادي، يصبح من المشروع أن ينتقل النقاش من سؤال: ماذا نُفذ؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: ماذا غيّر ما نُفذ في بنية الاقتصاد وفي حياة الناس؟ فقوة الاقتصاد لا تتحدد فقط بكمية الأموال التي تدخل إليه، وإنما بقدرته على تحويل هذه الأموال إلى قيمة محلية، ثم تحويل القيمة المحلية إلى دخول، والدخول إلى طلب، والطلب إلى إنتاج واستثمار جديد. ولذلك، فالسؤال الأهم ليس فقط: كم أنفقنا وكم نما الاقتصاد؟ بل: كم قيمة جديدة ولّد هذا النمو، وكيف انتقلت هذه القيمة إلى الشركات والعاملين والأسر؟

المصدر: عمون