زيارة ملك إسبانيا.. خطوة لشرعنة احتلال سبتة تختبر العلاقات مع المغرب
لا يبدو أن الجارة الشمالية للمملكة مستعدة بشكل كاف للتخلي عن أسلوبها المعهود في الابتزاز المتكرر للمغرب من خلال ملف وحدته الترابية، الذي تمثل سبتة ومليلية أحد ملفاته الشائكة، حيث جاءت زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس وعقيلته لسبتة لتلقي بحجر ثقيل في مسار العلاقات المستقرة بين الرباط ومدريد في السنوات الأخيرة.
وتأتي زيارة العاهل الإسباني لسبتة المحتلة في سياق انتخابي وسياسي مشحون تعيشه إسبانيا؛ ما يجعلها أكثر حساسية بعد التجاذبات الكبيرة التي عرفتها المدينة عقب العبور الجماعي لآلاف المهاجرين غير النظاميين أواخر يوليوز الماضي للثغر المحتل.
وفتحت الواقعة الباب مشرعا أمام أحزاب اليمين المتشدد التي لم تتوان عن استثمارها واستعمالها ذريعة للتهجم على المغرب والتشكيك في تعاونه ومصداقيته كجار حليف وموثوق.
رد المغرب كان واضحا في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية الثانية عشرة، حيث أعلن رفض المغرب ابتزازه، معتبرا أن النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة، مع عدد من الدول، “أصبح متجاوزا”. كما انتقد “التصريحات اللامسؤولة، والاستغلال المفضوح من بعض الأوساط السياسية والإعلامية” للموضوع، مؤكدا أن “الشراكة اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز”.
واقع احتلال
في قراءته للموضوع، قال خالد الشيات، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في جامعة محمد الأول بوجدة، إن أية خطوة أو مبادرة أو زيارة “لا يمكن أن تمنح الاحتلال شرعية”، معتبرا أن الزيارات والرسائل السياسية التي تروم تكريس الوجود الإسباني في سبتة ومليلية لا تعكس سوى “محاولة لإضفاء طابع طبيعي على واقع يظل، من وجهة النظر المغربية، واقع احتلال”.
وأوضح الشيات، في حديث مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن هناك دائما “حاجة نفسية وموضوعية لدى الدولة المحتلة إلى البحث عن مبررات لتكريس سيطرتها على الأراضي التي تحتلها”، مشيرا إلى أن هذه الحاجة لا ترتبط بالواقع القانوني والتاريخي بقدر ما تعكس رغبة في ترسيخ وضع قائم وإقناع الرأي العام الداخلي بمشروعيته.
وأضاف الأستاذ الجامعي المختص في القانون الدولي والعلاقات الدولية أن هناك اعتبارات اجتماعية وسياسية داخل إسبانيا تدفع في اتجاه الإبقاء على هذا الوضع، بعيدا عن حقيقة النزاع المرتبط بسبتة ومليلية وباقي الثغور المغربية المحتلة.
وأورد المصرح عينه على أن القوى الاستعمارية، عبر التاريخ، “لم تكن تعترف عادة بأنها تحتل أراضي الغير؛ بل كانت تلجأ إلى تبريرات مختلفة لتكريس سيطرتها عليها. ومن بين هذه التبريرات مفهوم الأرض المباحة أو التي لا تخضع لسيادة دولة”.
واستحضر الشيات في هذا السياق بعض التصريحات الإسبانية التي تفيد بأن المدينتين “لم تكونا خاضعتين لسيادة دولة قائمة”، معتبرا أن مثل هذا الطرح يعكس “منطقا يرمي إلى تبرير السيطرة على الأراضي وإضفاء الشرعية عليها”، مذكرا بالتجربة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، حين جرى التعامل معها باعتبارها جزءا من التراب الفرنسي.
وشدد على أن الدولة المحتلة “لا تميل، بطبيعة الحال، إلى الإقرار بكونها تمارس الاحتلال؛ بل تسعى إلى تقديم وجودها باعتباره أمرا مشروعا وطبيعيا”، لافتا إلى أن مثل هذه الخطوات لا يمكن أن تؤدي إلا إلى تأجيج مشاعر “عدم الرضا لدى المغاربة، وتعزيز الإحساس بالاستفزاز، خصوصا عندما لا يبدو أن لها هدفا واضحا يتجاوز الاعتبارات السياسية الداخلية”.
وفي هذا الإطار، قارن أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في جامعة محمد الأول بوجدة هذه الممارسات ببعض المشاهد الاستعراضية التي عرفها التاريخ، والتي تتجلى اليوم، على سبيل المثال، في اقتحامات المستوطنين وبعض المسؤولين الإسرائيليين للمسجد الأقصى، معتبرا أن مثل هذه التصرفات ترتبط، في جانب منها، بالحاجة النفسية إلى إظهار “القوة وتكريس الشعور بالتفوق لدى الطرف الذي يمارس الاحتلال”.
وبخصوص الموقف المغربي، أكد المتحدث عينه أن الدفاع عن الحقوق التاريخية والمشروعة للمغرب في سبتة ومليلية وباقي الثغور يقتضي “المزيد من العمل والمثابرة والإصرار، بما يسمح بمواصلة المطالبة باستعادة هذه الأراضي، وفق مسار يخدم المصالح الوطنية المغربية”.
وسجل أن المغرب حريص، في الوقت نفسه، على توضيح موقفه من هذه القضية، مع الحرص على ألا تؤثر مثل هذه الاستفزازات سلبا على مسار العلاقات المغربية الإسبانية، التي شهدت تطورا في عدد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية؛ غير أنه شدد على أن أهمية هذه العلاقات، مهما بلغت، “لا ينبغي أن تجعلها تتقدم على ثوابت أساسية، في مقدمتها الكرامة الوطنية والاستقلال وصيانة الحقوق التاريخية للمغرب”.
وأشار الشيات إلى أن إسبانيا كان من الأفضل لها أن تتجنب إعادة إثارة ملف سبتة ومليلية في هذا السياق، خاصة أن النقاش لم يكن في الأصل منصبا على مسألة الوجود الإسباني في المدينتين؛ بل كان مرتبطا بقضية الهجرة غير النظامية، معتبرا أن نقل النقاش من ملف الهجرة إلى مسألة الاحتلال يعكس “توظيفا سياسيا داخليا للقضية، تحكمه اعتبارات انتخابية وحسابات سياسية، أكثر مما يستند إلى ضرورة موضوعية تفرضها طبيعة النقاش الأصلي”.
مخرج لتوترات داخلية
من جهته، قال رشيد ساري، رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية، أن تحليل زيارة العاهل الإسباني إلى سبتة يقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات أساسية؛ تتمثل في البعد الداخلي الإسباني، والبعد السيادي المرتبط بالخلاف حول وضعية سبتة ومليلية، ثم البعد التفاوضي المرتبط بطبيعة العلاقات المغربية الإسبانية وتوازن المصالح بين البلدين.
وعلى المستوى الداخلي، أورد ساري، في تصريح لهسبريس، أن الحكومة الإسبانية، بتنسيق مع العاهل الإسباني، قد تسعى إلى إيجاد مخرج لبعض التوترات والأحداث التي تشهدها الساحة الإسبانية، من خلال إعادة توجيه الاهتمام نحو قضية سبتة ومليلية، وجعلها موضوعا مركزيا في النقاش السياسي الداخلي.
وأوضح رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية أن هذه الخطوة قد تندرج ضمن محاولة لتعبئة الرأي العام، خصوصا في ظل حدة التنافس بين اليمين واليسار، وتصاعد التجاذبات السياسية والانتخابية، لافتا إلى أن الزيارة يمكن فهمها باعتبارها “محاولة لاحتواء التوترات الداخلية وإعادة ترتيب الأولويات السياسية، فضلا عن تعزيز حضور المؤسسة الملكية وإبراز دورها في المشهد الإسباني”.
وأضاف المتحدث عينه مبينا أن هذه الخطوة قد تشكل فرصة أمام المؤسسة الملكية الإسبانية لتأكيد حضورها وإبراز شرعيتها ودورها في مرحلة تتسم بتصاعد الاستقطاب السياسي، سواء من جانب اليسار أو اليمين المتطرف.
وأشار ساري إلى أن مدريد تنطلق من اعتبار سبتة جزءا من الدولة الإسبانية، وتسعى إلى تكريس هذا التصور من خلال الزيارات الرسمية والمشاريع الاقتصادية والرموز المرتبطة بالسيادة الإسبانية.
وفي المقابل، سجل أن المغرب ينظر إلى سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين محتلتين، بالنظر إلى امتدادهما التاريخي والجغرافي داخل المجال المغربي ووجودهما في شمال القارة الإفريقية، مؤكدا أن الزيارة تثير “إشكالا يتجاوز بعدها البروتوكولي، لتلامس جوهر الخلاف القائم بين البلدين بشأن الوضع التاريخي والسيادي للمدينتين”.
وشدد على أن جوهر التوتر يكمن في ما سماه “اختلاف المرجعيات” التي يستند إليها كل طرف؛ فبينما تسعى إسبانيا إلى تثبيت تصورها للمدينتين باعتبارهما جزءا من ترابها الوطني، يتمسك المغرب بموقفه الرافض لهذا الوضع، وبمطالبته بحقوقه التاريخية بشأنهما.
أما على المستوى التفاوضي، فأبرز رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية أن ملف سبتة ومليلية قد يتحول، في بعض السياقات، إلى “ورقة ضغط غير مباشرة ضمن شبكة الملفات التي تدير العلاقات المغربية الإسبانية”، والتي تشمل الهجرة غير النظامية، والتعاون الأمني، ومكافحة الإرهاب والشبكات الإجرامية، فضلا عن الصيد البحري والربط الطاقي واللوجستيكي.
كما يظل ملف الصحراء المغربية، وفق ساري، “حاضرا ضمن القضايا الاستراتيجية التي تهم العلاقات بين البلدين؛ بالنظر إلى أهمية الموقف الإسباني بشأنه وإمكانية تأثير التطورات السياسية في طبيعة التعاطي معه مستقبلا”.
وبخصوص انعكاسات هذه الزيارة على العلاقات الثنائية، توقع ساري أن يكون تأثيرها “محدودا على المدى القصير، مع احتمال تزايد تداعياتها على المديين المتوسط والبعيد إذا تكررت خطوات مماثلة”.
واستبعد المتحدث عينه أن تؤدي الزيارة إلى أزمة شاملة بين البلدين، بالنظر إلى مستوى التشابك الاستراتيجي القائم بينهما في مجالات حيوية، من بينها الأمن والهجرة والاقتصاد ومكافحة الشبكات الإجرامية والطاقة والربط اللوجستيكي، والتي عدها مصالح مشتركة تجعل الطرفين “أكثر ميلا إلى احتواء التوترات السياسية وتجنب انعكاسها على مجمل العلاقات الثنائية”.
وعلى المدى البعيد، قال إن استمرار تطور العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين قد يتيح الانتقال تدريجيا من منطق المواجهة المباشرة إلى منطق التدبير طويل الأمد للخلاف، لافتا إلى أن هذا السياق يجعل المغرب يفضل تعزيز مكانته الإقليمية والدولية، وتقوية عناصر قوته وموازين التفاوض، بدلا من الدخول في أزمات متكررة “لا تحقق بالضرورة نتائج ملموسة على مستوى هذا الملف”.
وخلص ساري إلى أن مستقبل العلاقات بين الرباط ومدريد سيظل “رهينا بمدى قدرتهما على تدبير خلافاتهما التاريخية والسيادية، مع الحفاظ على المصالح الاستراتيجية المشتركة وتجنب تحويل القضايا الخلافية إلى أدوات للتجاذب السياسي الداخلي”، وفق تعبيره.
The post زيارة ملك إسبانيا.. خطوة لشرعنة احتلال سبتة تختبر العلاقات مع المغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس