شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

عراق ما بعد الانسحاب الأميركي... اختبار عسير أم فرصة سانحة؟

عراق ما بعد الانسحاب الأميركي... اختبار عسير أم فرصة سانحة؟

حين تغادر الدبابات مرابضها لا تخلف فراغاً، بل تفتح الأبواب لتحولات بنيوية عميقة. وإخلاء الجنود "قواعدهم" يعيد رسم موازين القوى. نهاية الشهر الماضي، طوت الولايات المتحدة صفحة وجودها العسكري ببلاد الرافدين، عقب أكثر من عقدين على غزوها العراق عام 2003، لتنهي حقبة كاملة من هندسة الشرق الأوسط بالقوة. هذا الانسحاب الأميركي هو "منعطف استراتيجي" حاسم لكل من بغداد وواشنطن والإقليم، فكيف ستجري الأحداث؟!

بالنسبة للعراق، انسحاب القوات الأميركية "اختبار عسير"، يضع "الدولة" أمام مرآة ذاتها، استعادة السيادة أو انتقاصها، إما أن ينضج النظام السياسي، وإما أن تصبح البلاد ساحة لتصفية حسابات خارجية. الانسحاب الأميركي فرصة لبناء دولة مؤسسات موحدة قادرة على فرض احتكار السلاح، وخلق توافق وطني يُنهي الانقسام السياسي والمحاصصة، أي استعادة السيادة بشكل حقيقي، كذلك إثبات جاهزية الجيش العراقي لمواجهة خلايا "داعش" وأشباهها. أما لو استمرت التجاذبات السياسية واستعراضات السلاح خارج سيطرة الدولة، فإن ذلك سيعني انتقال العراق من النفوذ المزدوج (الأميركي- الإيراني) إلى الاستقطاب والانكشاف الأمني الذي قد يستغل إقليمياًِ من دون كوابح. ربما يزيل اختفاء "العدو/الشريك الأميركي" الذريعة التي كانت توحد الأفرقاء؛ فينتقل الصراع إلى داخل البيت الواحد، حسماً لتوزيع السلطة والنفوذ، وبالتالي العصف بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في بلد لم ينتصب على قدميه بعد.

في السياسة - كما الطبيعة - لا يوجد "فراغ جيوسياسي"؛ كل شبر تتراجع عنه قوة كبرى يندفع منافسون لملئه. انحسار المظلة العسكرية الأميركية يخلي الساحة العراقية لتمدد فصائل حليفة لإيران. تجد طهران نفسها اليوم فاعلاً من دون منافس تقريباً هناك. هذا يزعج تركيا، وهي تسعى لتوسيع نفوذها شمال البلاد، بذريعة حماية أمنها القومي وتأمين مشروع "طريق التنمية"، الشريان التجاري الحيوي، لربط ميناء الفاو العراقي على رأس الخليج العربي بتركيا، وصولاً لأوروبا، لتصبح حلقة الوصل بينهما. في المقابل تنظر طهران بقلق إلى "طريق التنمية"، خشية إضعاف موقعها كممر ترانزيت. وللحفاظ على مكاسبها اللوجستية تحاول ربط شبكات السكك الحديد والموانئ العراقية بأراضيها، مثل خط شلمجة- البصرة.

المصدر: النهار