شرطة دبي ترسّخ نهج الأمن الاستباقي في مواجهة تحديات التزييف العميق
*إسراء العطار
لم يعد التحدي المرتبط بتقنيات التزييف العميق (Deepfake) مقتصراً على إنتاج صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية يصعب تمييزها عن الحقيقة، بل امتد إلى احتمال تراجع الثقة في المحتوى الرقمي الحقيقي ذاته. هذه الإشكالية تناولتها دراسة استشرافية أعدها مركز استشراف المستقبل في القيادة العامة لشرطة دبي، وتولّت بحث التحوّلات المحتملة لهذه التقنيات وانعكاساتها على الأمن الرقمي والمجتمعي، وعلى موثوقية المعلومات والأدلة التي تستند إليها القرارات.

وتوضح الدراسة، التي نُشرت تفاصيلها رسمياً في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، بأن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي يتيح محاكاة الوجوه والأصوات وإنتاج محتوى مرئيّ ومسموع بدرجة عالية من الواقعية، بما قد يفتح المجال أمام أساليب أكثر تعقيداً في انتحال الهوية والاحتيال والتضليل الرقمي والتلاعب بالمعلومات.
ومن وجهة نظري القانونية، تكمن أهمية هذه القراءة الاستشرافية في تجاوزها المخاطر التقنية المباشرة إلى إشكالية أعمق تتعلّق بمدى إمكانية الوثوق بالمعلومات الرقمية، والتحقق من سلامة الأدلة التي قد تُستخدم في التحقيقات أو تُبنى عليها قرارات تمس الأفراد والمؤسسات.
من كشف المحتوى المزيف إلى إثبات أصالة المحتوى الحقيقي
تكمن إحدى أبرز الإشكاليات في انتشار المحتوى المصطنع الذي قد يؤدي إلى نتيجتين متعارضتين: تصديق موادّ مزيّفة باعتبارها حقيقية، والتشكيك في موادّ صحيحة لمجرد إمكان التلاعب بها.
وهنا يبرز البعد القانوني المرتبط بالأدلة الرقمية (Digital Evidence)، إذ إن القدرة على اصطناع تسجيل صوتي أو مرئي، تنسب فيه أقوال أو أفعال إلى أشخاص لم تصدر عنهم، تفرض ضرورة التحقق من مصدر الدليل وأصالته وسلامته قبل الاعتماد عليه.
وتشير دراسة شرطة دبي إلى أن التحديات الأمنية المستقبلية قد تتجاوز اكتشاف المحتوى المزيف إلى إثبات صحة المحتوى الحقيقي، بما يستدعي تطوير قدرات التحقق الرقمي وتعزيز موثوقية المعلومات.
ومن المنظور القانوني، تبرز أهمية الفحص الفني والتحليل الجنائي الرقمي (Digital Forensics) في تقييم الأدلة، مع مراعاة احتمال أن التزييف لا يعني بالضرورة عدم صحة كل تسجيل أو استبعاده تلقائياً، وإنما يقتضي التحقق منه وفقاً للظروف والأدلة المتاحة والقواعد القانونية والإجرائية المنطبقة.

التزييف العميق... تهديد يتجاوز الاحتيال الإلكتروني
قد تُستخدم هذه التقنيات في انتحال الشخصيات وخداع الأفراد والمؤسسات، بما يشمل محاولات الاحتيال المالي أو نشر معلومات مضللة تؤثر في السمعة والقرارات. وتتزايد خطورتها عندما يصعب على المتلقي التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصطنع، خصوصاً في الحالات التي تستند فيها قرارات حساسة إلى تسجيلات لم تخضع للتحقق.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية دولية متزايدة، إذ أشار تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي استندت إليه دراسة شرطة دبي، إلى احتلال المعلومات المضللة والتضليل الإعلامي المرتبة الثانية ضمن أبرز المخاطر العالمية المتوقعة خلال العامين المقبلين.
ويعكس هذا التصنيف اتساع التحديات المرتبطة بموثوقية البيئة المعلوماتية، وما قد يترتب على تراجع الثقة بالمحتوى الرقمي من آثار تتجاوز الأفراد إلى المؤسسات والمجتمع.
المواجهة القانونية تبدأ قبل وقوع الضرر
تؤكّد دراسة شرطة دبي أهمية الانتقال من التعامل مع التهديدات بعد ظهورها إلى استشراف تطوّرها والاستعداد المبكر لها، من خلال رصد المتغيرات التقنية والإشارات المبكرة، وتحليل المخاطر المحتملة، واستكشاف السيناريوهات المستقبلية.
ومن المنظور القانوني، يبرز هنا دور الأطر التشريعية والتنظيمية في مواكبة التحولات التكنولوجية، إلى جانب تطوير الخبرات المتخصّصة في تقييم الأدلة الرقمية وتحديد المسؤوليات القانونية، وفقاً لطبيعة كل واقعة.
ولا تقلّ التوعية المجتمعية أهمية عن الجوانب التقنية والمؤسسية، إذ إن تعزيز قدرة الأفراد على التحقق من مصادر المعلومات، وعدم التعامل مع التسجيلات المرئية أو الصوتية باعتبارها أدلة قاطعة بمجرد ظهورها، يمثل جانباً أساسياً من الوقاية من التضليل والاحتيال.
وتندرج الدراسة ضمن شهر التوعية بالأمن السيبراني وحملة "الإمارات آمنة بوعيك الرقمي"، التي أطلقتها وزارة الداخلية، بالتعاون مع القيادة العامة لشرطة دبي ومركز دبي للأمن الإلكتروني، في إطار تعزيز المعرفة بالمخاطر الرقمية ووسائل التعامل معها.
في الختام، تبرز دراسة مركز استشراف المستقبل في القيادة العامة لشرطة دبي مثالاً لأهمية توظيف البحث والاستشراف في تطوير العمل الأمني، ضمن سياق التحول الرقمي الذي تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة. وتكتسب هذه المقاربة قيمتها من ربط التطور التكنولوجي بالجاهزية المؤسسية والوعي المجتمعي، بما يفتح المجال أمام تطوير استجابات أمنية وقانونية تتناسب مع طبيعة المخاطر الناشئة.
وتؤكد هذه التجربة أهمية التكامل بين الابتكار التقني ومواكبة الأطر التشريعية والتنظيمية، باعتباره أحد متطلبات بناء بيئة رقمية موثوقة. وفي عصر تتزايد فيه القدرة على محاكاة الواقع، لا تقتصر حماية المجتمع على اكتشاف المحتوى المصطنع، بل تمتد إلى صون مصداقية المعلومات، وحماية الحقوق، وتعزيز الثقة التي تقوم عليها العدالة.
*مستشارة قانونية في شؤون الشركات والتكنولوجيا
المصدر: النهار