شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل ترسب الحكومة في امتحان ضهر البيدر كما رسبت في امتحان صخرة الروشة؟

هل ترسب الحكومة في امتحان ضهر البيدر كما رسبت في امتحان صخرة الروشة؟

لم تعد قضية شحنة المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر تحتمل المعالجة بوصفها حادثة أمنية عابرة، ولا الاكتفاء بالإشادة بيقظة القوى الأمنية التي نجحت في اعتراضها. فخطورة ما جرى تكمن في أنه أعاد فتح ملف حصرية السلاح بيد الدولة، ووضع الحكومة أمام سؤال يتجاوز التحقيق في مصدر الشحنة ووجهتها. فهل تملك السلطة السياسية الإرادة والقدرة على ترجمة قراراتها إلى إجراءات فعلية، أم أن مصير القرار سيبقى، كما حصل في محطات سابقة، أسير التوازنات السياسية والحسابات التي حالت دون تنفيذه كاملاً؟ Advertisement منذ أن أعلنت الحكومة حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ "حزب الله"، وأكدت ضرورة تسليم سلاحه إلى الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، دخلت البلاد مرحلة يفترض أن تكون فيها سلطة الدولة هي المرجعية الوحيدة في الملفات الأمنية والعسكرية. ثم جاء قرار التشدد في بسط السيطرة الأمنية على بيروت الإدارية وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية، ليؤكد أن الحكومة تدرك خطورة بقاء العاصمة عرضة لتداعيات أي انفلات أمني. غير أن الفارق بين إعلان القرارات وتنفيذها ظلّ قائماً، وهو ما جعل صدقية الحكومة موضع اختبار متكرر. اليوم، تأتي قضية ضهر البيدر لتزيد هذا الاختبار حساسية. وقد تعهّد رئيس الحكومة بكشف ملابسات القضية وملاحقة المسؤولين عنها، مؤكداً عدم التساهل أو التغاضي عن أي تهديد للأمن العام. لكن التعهد، على أهميته، لن يكون وحده كافياً لإقناع اللبنانيين بأن الأمور تتجه فعلاً نحو تغيير في طريقة إدارة الدولة للملف الأمني. فالمطلوب اليوم ليس فقط معرفة من نقل الشحنة، بل كشف مصدرها، والجهة التي أمّنتها، والمسار الذي سلكته، والوجهة النهائية التي كانت متجهة إليها، والغاية من نقل هذه الكمية من المتفجرات إلى محيط العاصمة. وهذه الأسئلة لا يجوز استباق التحقيق في الإجابة عنها، كما لا يجوز تحويل الاشتباه إلى إدانة قبل توافر الأدلة. لكن خطورة القضية تفرض أن يصل التحقيق إلى نهايته، وأن تُعلن نتائجه بالقدر الذي تسمح به مقتضيات الأمن والقضاء، وأن يتحمل كل من تثبت مسؤوليته النتائج القانونية المترتبة على أفعاله، بعيداً من أي اعتبار سياسي. هنا تحديداً يكمن الامتحان الحقيقي للحكومة. فهل ستتعامل مع القضية باعتبارها خرقاً أمنياً يستوجب ملاحقة الناقلين فحسب، أم ستذهب إلى كشف كامل شبكة المسؤوليات، إذا أثبتت التحقيقات وجودها، وصولاً إلى الجهات التي تقف وراء نقل المتفجرات؟ فالقبض على من يتولى النقل خطوة أساسية، لكنه لا ينهي القضية إذا بقي مصدر الشحنة والجهة التي طلبت نقلها والغاية من وصولها إلى بيروت خارج دائرة المساءلة. والأمر نفسه ينطبق على قرار جعل بيروت الإدارية خالية من السلاح خارج إطار القوى الشرعية. فهذا القرار لا يمكن أن يُختبر فقط من خلال انتشار أمني مؤقت أو إجراءات ظرفية تُتخذ عقب حادث كبير، بل من خلال قدرة الدولة على فرض القانون بصورة مستدامة، ومنع أي جهة من الاحتفاظ بقدرات عسكرية أو أمنية خارج مؤسساتها. وإذا كانت الحكومة قد أعلنت أن القرار لا رجوع عنه، فإن المعيار الذي سيحكم على جديتها هو ما إذا كان المواطن سيشعر بأن العاصمة باتت فعلاً تحت سلطة واحدة، لا أن يبقى القرار عنواناً سياسياً تتراجع مفاعيله كلما اصطدم بتعقيدات الواقع. ولا يمكن فصل هذا الملف عن قرار حصرية السلاح على المستوى الوطني. فالحصرية لا تعني فقط ضبط السلاح في منطقة محددة أو منع ظهوره في الشوارع، بل تشمل إخضاع حيازته ونقله وتخزينه واستخدامه لسلطة الدولة والقانون. وإذا أثبتت التحقيقات أن شحنة ضهر البيدر مرتبطة بجهة أو بنشاط عسكري خارج المؤسسات الشرعية، فإن القضية ستتحول إلى اختبار مباشر لمدى قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها في مواجهة أي جهة، مهما كان حجم نفوذها السياسي أو الأمني. أما إذا لم تثبت هذه الفرضية، فيجب إعلان الحقيقة أيضاً، لأن قوة الدولة لا تُقاس بالاتهامات، بل بقدرتها على الوصول إلى نتائج قضائية واضحة. وتزداد حساسية امتحان ضهر البيدر لأن أي إخفاق جديد لن يقتصر أثره على الحكومة وحدها. فاللبنانيون الذين عايشوا سنوات طويلة من الأزمات الأمنية والانقسامات الداخلية باتوا يدركون أن وجود السلاح خارج سلطة الدولة يضع البلاد أمام مخاطر لا يمكن التنبؤ بتداعياتها. كما أن أي حادث مرتبط بالمتفجرات أو بنقل السلاح قد يفتح الباب أمام توترات داخلية، ويعيد إحياء مخاوف من استهدافات أو مواجهات لا يتحمل لبنان أعباءها في ظل أزماته المتراكمة. ويبقى سؤال أخير يسأله كل مواطن يريد أن تستعيد الدولة ما أٌُخذ منها، وهو: هل ستسقط الحكومة في امتحان ضهر البيدر كما رسبت في امتحان صخرة الروشة.

المصدر: لبنان 24