جرائم العدو السعودي في المخا
في مدينة المخا التاريخية، لم تسلم المعالم الدينية والأثرية من ممارسات تحشيدات العدو السعودي وعناصره التكفيرية، خلال 9 سنوات من الاحتلال، إذ طالت عمليات الهدم والجرف والتفجير، مساجد ومقامات وأضرحة علماء وأولياء، ظلت على مدى قرون جزءاً من هوية المدينة وموروثها الديني. ومن أبرز تلك المعالم مسجد ومقام العالم الصوفي، المولى "علي الشاذلي"، وهو من أحد المساجد التاريخية في المخا، ويعود تأسيسه، بحسب القائم عليه، إلى القرن التاسع الهجري، وشهد مراحل متعاقبة من البناء والتوسعة، وكان مقصداً لطلاب العلم والزائرين من داخل اليمن وخارجه. ويوضح نصر نويس، القائم على مسجد ومقام الشاذلي، أن تأسيس الجامع مر بـ 3 مراحل؛ وكانت المرحلة الأولى ببناء 9 قباب في القرن التاسع الهجري، فيما المرحلة الثانية هي بناء وتشييد منارة الجامع في عام 1260 هـ، والمرحلة الثالثة، التوسعة للجامع خلال حكم الإمام أحمد يحيى حميد الدين لليمن عام 1359 هجرية. وأشار إلى أن الإمام أحمد أخذ خشب الجامع الكبير في المخا، وما كان يسمى بجامع النور، الذي دُمِّر من قبل البرتغاليين، وأعاد به توسعة جامع الشاذلي، المكون من 17 عموداً فيه، والبقية خارجه من الجهة الغربية. وبخصوص ضريح الإمام الشاذلي يروي القائم عليه، أنه كان عالماً وشيخ علم كبير في زمانه، ويأتيه طلبة العلم من داخل اليمن وخارجه، ليتعلموا على يديه العلوم الدينية والشرعية. وعلى مقربة من المسجد كانت تقوم قبة ومقام الإمام العالم الشاذلي، قبل أن تطالهما معاول الهدم التكفيرية منتصف العام 2017م، حين أقدمت عناصر تحشيدات العدو السعودي على جرف المقام وتسويته بالأرض، في اعتداء أثار استنكار الأهالي الذين حاولوا منع محو ما تبقى من آثاره. وفي السياق يوضح وكيل محافظة تعز، فؤاد سنان بقوله: "كما ترون هنا كان يقع ضريح الإمام الشاذلي، بداخل قبة شبيهة بالمسجد، فقامت أدوات العدو السعودي بتدميرها وهدها بالمعدات والبكلينات، والشيولات، ودمروا كل شيء، حتى خرج الناس في هذه المدينة يتظاهرون، ويعبرون عن رفضهم لذلك، قبل أن يجرفوا كل أثر له ويمحوه من على وجه الأرض". وتظهر عدسة المسيرة عدداً من المقامات التي كانت مجاورة لمقام الشاذلي بعد هدم القبة، وبقية أطلال لبعض أحجار الياجور والجدران والجبس المبعثر من حولها. وفي هذا المكان لم تكن قبة الشاذلي لوحدها المستهدفة، فعلى مقربة منها، طالت الاعتداءات مقامات وأضرحة تاريخية، يعود بعضها إلى نحو 6 قرون، بينها مقام الشيخ حاتم الأهدل، والشيخ صديق الشاذلية، وصولاً إلى قبة ومقام العلامة سعيد العمودي، التي كانت معلماً بارزاً في قلب المخا، قبل أن تُهدم من قبل تلك العناصر التكفيرية، تحت جنح الظلام. وفي الصدد يقول محمد بريق وهو القائم على مقام وقبة العلامة سعيد العمودي: "كنا قبل هدمه نقيم فيه الموالد ومجالس الذكر لله ، وحين احتل العدو السعودي المخا، دخلت عناصره الدواعش خربوه الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، بالدركتل، ونحن إلى حد الآن متألمون، فأصبحت قريتنا بدون معلم ديني كنا نشاهده من البحر ، ونستبشر لرؤيته". ويعتبر الأهالي استهداف هذه المقامات هدماً لمبانٍ أثرية، واعتداءات على موروث ديني واجتماعي ارتبط بحياتهم ووجدانهم، تحت ذريعة معتقدات تكفيرية، تنظر إلى زيارة الأضرحة وإقامة مجالس الذكر بأنها ممارسات محرمة. وهنا يوضح الحاج محمد بريق أن رؤية العناصر التكفيرية التابعة للعدو السعودي، لهذه المقامات خاطئة تماماً ومبنية على ثقافة مغلوطة وعقائد باطلة، تتهم أبناء اليمن بأنهم يصلون لهذه المقامات ويتعبدون لها، وأن الحقيقة هي أنها مقامات لذكر الله فيها فقط، والصلاة يصلونها في الجامع لا غير. وهكذا تكشف أطلال المقامات والأضرحة في المخا جانباً من ممارسات التدمير التي طالت الموروث الديني والتاريخي في المديريات الساحلية، وشواهد على خطر الفكر الوهابي النجدي التكفيري الذي يستهدف البشر والحجر، وذاكرة المجتمع وموروثه الديني القائم على الهوية الإيمانية منذ قرون.
المصدر: 26 سبتمبر