شركات التكنولوجيا تتحدى "فتور البورصة" بقفزة قياسية في الأرباح
حققت الشركات التكنولوجية المدرجة في بورصة الدار البيضاء أداء ماليا استثنائيا خلال النصف الأول من السنة الجارية، متحدية تباطؤ نمو الأرباح والضغوط التي تواجه سوق الأسهم، بعدما قفزت الأرباح الصافية المجمعة لست شركات تنشط في الخدمات المعلوماتية والحلول الرقمية وأنظمة الأداء الإلكتروني بنسبة 154,6 في المائة، منتقلة من 75,5 مليون درهم خلال الفترة ذاتها من السنة الماضية إلى 192,2 مليون درهم، بزيادة ناهزت 116,7 مليون درهم، في مؤشر على تنامي مساهمة الأنشطة التكنولوجية في خلق القيمة داخل السوق المالية الوطنية.
وكشفت معطيات مالية جمعتها شركة البورصة “M.S.IN”، المتخصصة في الوساطة المالية، أن الأداء المسجل شمل شركات “ميكروداتا” و”ديسواي” و”HPS” و”ديستي تكنولوجيز” و”S2M” و”M2M Group”، التي رفعت رقم معاملاتها ونواتج استغلالها المجمعة بنسبة 26,4 في المائة، لتبلغ 3,24 مليارات درهم، مقابل 2,56 مليارات درهم خلال النصف الأول من 2025. وعكست هذه النتائج دينامية متصاعدة للطلب على التجهيزات المعلوماتية والحلول الرقمية وخدمات معالجة الأداء، في سياق تتسارع مشاريع التحول الرقمي للمقاولات والمؤسسات المالية والإدارات العمومية.
ويأتي هذا التطور في ظرفية اتسمت بـ”فتور” نمو الكتلة الربحية للشركات المدرجة، التي لم تتجاوز نسبة ارتفاعها الإجمالية 7,4 في المائة، لتستقر عند 29,4 مليار درهم، مدفوعة أساسا بالأداء الاستثنائي لقطاع المناجم، الذي ساهم وحده بنحو 3,6 مليارات درهم من الأرباح الإضافية. وفي المقابل سجلت الشركات المدرجة خارج هذا القطاع تراجعا في أرباحها المجمعة، بينما تباطأ نمو الأرباح المتكررة، باستثناء المناجم، إلى 6 في المائة، مقابل 14 في المائة قبل سنة، ما أبرز التباين بين القطاعات الاقتصادية من حيث قدرتها على المحافظة على وتيرة النمو والربحية.
وأظهرت النتائج نصف السنوية أن انتعاش أرباح الشركات التكنولوجية لم يرتبط حصريا بارتفاع نشاطها التجاري، بل استفاد أيضا من التحول الإيجابي في النتائج المالية لشركة “HPS”، التي انتقلت من الخسارة إلى الربحية، إلى جانب تحسن أداء باقي الشركات المشمولة بالمعطيات. وأعادت هذه التطورات تسليط الضوء على موقع القيم التكنولوجية داخل بورصة الدار البيضاء، ومدى قدرتها على استقطاب اهتمام المستثمرين الباحثين عن فرص للنمو، في سوق تتأثر بتقلبات أسعار الفائدة وتراجع شهية المخاطرة وتفاوت النتائج المالية بين القطاعات.
نمو المداخيل يعزز ربحية الشركات
أفادت البيانات المالية نصف السنوية بمحافظة شركة “ديسواي” على صدارة الشركات التكنولوجية الست من حيث حجم النشاط، بعدما بلغ رقم معاملاتها 1,09 مليار درهم، بزيادة نسبتها 14,4 في المائة، مستفيدة من تطور أنشطة توزيع التجهيزات والحلول المعلوماتية. وحلت “ميكروداتا” في المرتبة الثانية بمداخيل بلغت 846 مليون درهم، محققة أقوى وتيرة نمو ضمن العينة المدروسة، بنسبة 67,8 في المائة، بينما سجلت “HPS”، المتخصصة في حلول الأداء الإلكتروني، مداخيل بقيمة 702 مليون درهم، بارتفاع نسبته 14 في المائة.
وامتدت دينامية النمو إلى الشركات الثلاث الأخرى، إذ رفعت “M2M Group” عائداتها بنسبة 36,5 في المائة، مقابل زيادة بلغت 21,7 في المائة لدى “S2M”، و20,6 في المائة بالنسبة إلى “ديستي تكنولوجيز”. وأبرز هذا التطور اتساع قاعدة الأنشطة التي تدعم نمو القطاع، من توزيع المعدات المعلوماتية والخدمات التقنية إلى تطوير البرمجيات والحلول المرتبطة بالمعاملات المالية الإلكترونية.
وعلى مستوى النتائج الصافية شكلت “HPS” المحرك الرئيسي للقفزة المسجلة، بعدما نجحت في تحويل خسارة صافية بقيمة 47,3 مليون درهم خلال النصف الأول من 2025 إلى ربح صاف بلغ 34,8 مليون درهم خلال الفترة نفسها من السنة الجارية، أي بتحسن ناهز 82,1 مليون درهم. ومثلت هذه المساهمة حوالي 70 في المائة من الزيادة الإجمالية المسجلة في أرباح الشركات الست، ما يعكس الوزن الحاسم لعودة الشركة إلى الربحية في الحصيلة القطاعية.
غير أن استبعاد الأثر الاستثنائي لتحسن نتائج “HPS” لا يلغي الاتجاه التصاعدي لأرباح الشركات الأخرى، التي ارتفعت نتائجها الصافية المجمعة بنسبة 28,2 في المائة، لتبلغ 157,4 مليون درهم؛ فقد حققت “ديسواي” أرباحا صافية بقيمة 60,4 مليون درهم، بزيادة 20,3 في المائة، فيما بلغت أرباح “ميكروداتا” 59,4 مليون درهم، بنمو نسبته 21,3 في المائة، ما جعلهما تتصدران الشركات المعنية من حيث حجم الأرباح المحققة خلال الأشهر الستة الأولى من السنة.
وسجلت “ديستي تكنولوجيز” بدورها أرباحا صافية بلغت 16,1 مليون درهم، بارتفاع نسبته 28,8 في المائة، بينما وصلت أرباح “S2M” إلى 12,7 مليون درهم، بزيادة 15 في المائة. أما “M2M Group” فحققت تحولا لافتا في نتائجها، بعدما انتقلت من ربح شبه منعدم، لم يتجاوز 30 ألف درهم خلال النصف الأول من السنة الماضية، إلى 8,8 ملايين درهم خلال الفترة ذاتها من السنة الجارية، بما يعكس تحسنا ملموسا في مردودية نشاطها.
وفي قراءة لهذه المؤشرات أكد نبيل الخباط، مستشار ومحلل للأسواق المالية، أن تحليل العلاقة بين تطور رقم المعاملات وتحسن الربحية التشغيلية للشركات التكنولوجية ينطلق من ربط هذه النتائج بارتفاع الطلب على الخدمات الرقمية، منبها في هذا السياق إلى وجوب التمييز بين النمو الناتج عن توسع الأنشطة التجارية والتحسن المرتبط بعوامل محاسبية أو بعودة بعض الشركات من الخسارة إلى الربح، خصوصا أن مساهمة “HPS” استحوذت على الجزء الأكبر من الزيادة الإجمالية المسجلة.
وأوضح الخباط، في تصريحات لهسبريس، أن هذا الأداء المالي للشركات الست أثار مسألة استدامة النمو خلال الفترات المقبلة، بالنظر إلى اختلاف نماذج أعمالها وهياكل تكاليفها، مضيفا أن “الشركات المتخصصة في توزيع المعدات المعلوماتية ترتبط هوامشها الربحية بحجم المبيعات وشروط التوريد والمنافسة التجارية، بينما تستند شركات البرمجيات وحلول الأداء إلى عوامل أخرى، تشمل العقود طويلة الأمد والمداخيل المتكررة وتكاليف التطوير والاستثمار في التكنولوجيا”.
وأشار محلل للأسواق المالية إلى الأهمية الخاصة التي تكتسيها هذه الفوارق عند تقييم الأداء القطاعي، إذ إن “ارتفاع رقم المعاملات لا يترجم بالضرورة إلى تحسن مماثل في الأرباح الصافية، كما أن الانتقال من الخسارة إلى الربح قد يرفع معدل النمو الإجمالي بصورة استثنائية دون أن يعكس بالضرورة وتيرة قابلة للتكرار سنويا؛ لذلك تشكل تطورات هوامش الاستغلال والتدفقات النقدية والقدرة على المحافظة على العقود التجارية مؤشرات مكملة لقياس متانة النتائج المحققة”.
رهانات النمو وجاذبية الأسهم التكنولوجية
أعادت القفزة المسجلة في أرباح الشركات التكنولوجية طرح موقع هذا القطاع ضمن الخيارات الاستثمارية المتاحة في بورصة الدار البيضاء، خصوصا في ظل التفاوت المتزايد بين أداء الشركات المدرجة؛ ففي وقت استفادت الكتلة الربحية الإجمالية من النتائج القوية لقطاع المناجم أظهرت الشركات التكنولوجية قدرة على تحقيق نمو مزدوج في العائدات والأرباح، ما قد يعزز حضورها ضمن اهتمامات المستثمرين الذين يمنحون أهمية لآفاق التوسع والنمو المستقبلي.
وبرزت أهمية هذا الأداء بالنظر إلى السياق الذي تمر منه السوق المالية، حيث تعرضت مجموعة من القيم المدرجة لضغوط مرتبطة بتغير توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة وتقييمات الأسهم. كما انعكست الظروف المالية على أنشطة السوق لدى المؤسسات البنكية المدرجة، التي سجلت تراجعا بنسبة 22,7 في المائة في مداخيل هذه الأنشطة خلال النصف الأول من السنة، وفق المعطيات المالية المتاحة.
وفي مقابل هذه الضغوط استفادت الشركات التكنولوجية من فرص مرتبطة بتوسع استعمال وسائل الأداء الإلكتروني، وتحديث الأنظمة المعلوماتية للمؤسسات المالية، ورقمنة الخدمات الإدارية والتجارية، إلى جانب ارتفاع احتياجات المقاولات إلى حلول تدبير البيانات والبنيات الرقمية. غير أن استفادة كل شركة من هذه التحولات تظل رهينة بموقعها التنافسي وقدرتها على تحويل الطلب المتنامي إلى عقود ومداخيل وأرباح مستدامة.
وعززت توقعات مالية صادرة عن “CFG Bank” النظرة الإيجابية إلى آفاق بعض القيم التكنولوجية، إذ رجحت بلوغ الأرباح الصافية لشركة “HPS” نحو 204 ملايين درهم بحلول سنة 2028، مقابل 121 مليون درهم بالنسبة إلى “ديسواي”. واستندت هذه التقديرات إلى فرضيات بشأن استمرار تطور النشاط وتوسيع الخدمات والحلول الرقمية، فضلا عن تعزيز الحضور التجاري في الأسواق الإفريقية، التي تمثل مجالا إضافيا لنمو الطلب على التجهيزات والخدمات التكنولوجية.
وكشفت هذه التوقعات عن رهان متزايد على الأسواق الخارجية في دعم نمو الشركات المغربية، خصوصا بالنسبة إلى المؤسسات التي تتوفر على منتجات وخدمات قابلة للتسويق خارج السوق الوطنية. ويتيح التوسع الإفريقي فرصا لتنويع مصادر المداخيل وتقليص الاعتماد على الطلب المحلي، لكنه يفرض في المقابل تحديات مرتبطة بالمنافسة الدولية وتكاليف الانتشار التجاري ومخاطر الصرف واختلاف الأطر التنظيمية بين الأسواق.
ومن زاوية الاستثمار في الأسهم برزت أهمية قراءة هذه النتائج في ضوء مستويات تقييم الشركات المدرجة، وليس اعتمادا على نسب نمو أرباحها فقط؛ فالارتفاع القوي في النتائج المالية قد يشكل عاملا داعما لجاذبية السهم، لكنه لا يضمن بالضرورة ارتفاع سعره في البورصة، خصوصا إذا كانت السوق استبقت هذا التحسن ضمن التقييمات السابقة، أو إذا ظلت السيولة المتداولة محدودة مقارنة بحجم الطلب المحتمل.
وفي هذا الصدد اعتبر زكرياء لحلو، محلل مالي ومستشار المحافظ الاستثمارية ببورصة الدار البيضاء، أن انعكاسات النتائج نصف السنوية على قرارات المستثمرين وإعادة توزيع المحافظ الاستثمارية تظهر من خلال مقارنة معدلات نمو الأرباح بمضاعفات التقييم، وتحديد ما إذا كانت الأسعار الحالية للأسهم التكنولوجية تعكس بصورة كافية آفاقها المستقبلية، إلى جانب قياس أثر السيولة والتقلبات العامة للسوق على قدرة هذه القيم على استقطاب استثمارات جديدة.
وشدد لحلو، في تصريحات للجريدة، على أن هذه المقاربة تكتسب أهمية في ظل الاختلاف بين الشركات الست من حيث الحجم وطبيعة النشاط والوزن داخل السوق المالية، موضحا أن الشركات التي تحقق نموا سريعا في المداخيل قد تواجه توقعات مرتفعة من المستثمرين، ما يجعل أسعار أسهمها أكثر حساسية لأي تباطؤ لاحق في النتائج، بينما يمكن للشركات التي تستعيد ربحيتها أن تستفيد من تحسن نظرة السوق إليها، شريطة تأكيد هذا التحول خلال الفترات المالية المقبلة.
وأضاف المستشار المالي بالبورصة أن “تطور جاذبية الأسهم التكنولوجية يظل مرتبطا بقدرة الشركات المعنية على تعزيز هوامشها الربحية وتمويل توسعها دون إضعاف توازناتها المالية”، مشيرا في السياق ذاته إلى أهمية التدفقات النقدية الناتجة عن الاستغلال، ومستويات المديونية، وحجم الاستثمارات المخصصة لتطوير المنتجات والخدمات، باعتبارها محددات أساسية لتقييم قدرة الأرباح الحالية على دعم النمو المستقبلي.
وبين نتائج نصف سنوية قوية وتوقعات إيجابية في أفق 2028 تجد الشركات التكنولوجية المدرجة نفسها أمام اختبار تحويل القفزة المسجلة في الأرباح إلى مسار نمو مستدام، في سوق مالية مازالت تتأثر بتفاوت الأداء القطاعي وتقلبات التقييمات، حيث يظل الرهان الأساسي مرتبطا بمدى قدرة هذه الشركات على المحافظة على وتيرة توسع أنشطتها وتعزيز مردوديتها، بما يسمح بتحويل التفوق المالي المسجل خلال النصف الأول من السنة إلى قيمة إضافية للمساهمين على المدى المتوسط.
The post شركات التكنولوجيا تتحدى "فتور البورصة" بقفزة قياسية في الأرباح appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس