الرجل ليس آلة: فوبيا التعثّر الجنسي والهروب من الإفصاح العاطفي
كريستابيل نجم
تحت وطأة تنشئة تُكلّف الرجل بدور المصدر الدائم للقوّة والأمان وتمترس خلف تابوهات "الأداء المثالي"، يقع كثيرون في مصيدة الصمت العاطفي وقلق الأداء الجنسي، غير أنَّ أياً من هذه العوامل لا يُبرّر وصمه بنعوتٍ مهينة تحطّ من قدره، فليس عيباً أن يتعب، يستريح أو يمتنع.
قد ترتبك الشريكة، ظنّاً منها أنَّها السبب وراء هذا التوقّف المفاجئ، فيما يخوض هو بصمتٍ صراعاً مع آلامه أو ينهشه الخوف من عدم الارتقاء إلى مستوى توقّعاتها، لا سيّما إذا كانت أكثر خبرةً منه، ما قد يدفعه إلى الاحتماء خلف قناع "البطولة الوهمية" هرباً من مواجهة هشاشته.
إنَّ استيعاب هذه العوامل النفسية والعضوية يرفع عن الطرفين عبء الأحكام المسبقة ويُمهّد الطريق لبناء علاقة سويّة قائمة على الشفافية والأمان المتبادل.
التشيّيء الجنسي وصعوبة التعبير العاطفي
يوضح الإختصاصي النفسي ناجي موسى أنَّه من منظور علم النفس “لا يُمكن إرجاع سلوكيات بعض الرجال المتمثّلة في التقليل من قيمة المرأة والاهتمام العاطفي لها، إلى سبب واحد، بل هي نتيجة لتداخل العوامل التربوية، المعايير الاجتماعية المقترنة بمفهوم الرجولة، المعتقدات المتحيّزة وطريقة اكتساب مهارات التعبير عن المشاعر”.
فقد يتربّى الرجل على اعتبار الرجولة تجسيداً للسيطرة، كتمان الضعف وتجنّب إظهار الاحتياج العاطفي، فيغدو التعبير عن الحبّ أو تقدير الطرف الآخر في نظره خرقاً لصورته الذاتية بدل أن يكون دليلاً على النضج الانفعالي.
#Quote#
وتُشير الأبحاث العلمية إلى ارتباطٍ وثيق بين تشيّيء الذات أو الشريك وتراجع مستوى الرضا عن العلاقة العاطفية (Zurbriggen et al., 2011).
كما تقترن مظاهره بسلوك العنف تجاه المرأة، بينما تُسلّط المراجعات الأكاديمية الضوء على التقاطعات القائمة بين بعض أنماط الرجولة العدائية وخطر الاعتداء الجنسي ضدّ النساء.
مع ذلك، لا تعني ارتباطات كهذه بحالٍ من الأحوال أنَّ كلّ انجذاب جسدي يُفضي حتماً إلى الإيذاء.
ويوضح موسى أن "الاعتقاد بأنَّ إظهار المشاعر يُنقص من الرجولة، يعكس تصوّراً للعلاقة يقوم على منطق القوّة والغلبة، بدلاً من الاحترام المتبادل".
ورغم أنَّ بعض الرجال يُواجهون صعوبة في فهم انفعالاتهم والتعبير عنها، إلّا أنَّه لا يُمكن افتراض أنَّ كلّ من هو قليل الإفصاح يفتقر إلى الثقة بنفسه أو يخلو قلبه من الحبّ، فالفيصل يكمن بطريقة تعامله مع الطرف الآخر، قدرته على الاستماع إليه، احترام حدوده والاستجابة لاحتياجاته.
ويرتبط تفهّم مشاعر الآخر ومراعاتها بارتفاع الرضا عن العلاقة، إذ يقوم النضج الفكري على التقدير المتبادل لا على كبت المشاعر أو فرض السيطرة وتبرير الأذى.
قلق الأداء الجنسي وأنماط التعلّق
يكشف موسى عن ضرورة "الفصل بين الصورة الاجتماعية المرجوّة للرجولة وبين الكفاءة النفسية المطلوبة لبناء علاقة جنسية، فقد ينجح الرجل في إنجاز أهدافه العملية، لكنَّه يتعثّر بالإفصاح عن احتياجاته العاطفية أو مواجهة الخوف من الرفض". كذلك، قد يستشعر رغبة جنسية صريحة، لكنَّه يُواجه صعوبة في تحقيق الانتصاب أو الحفاظ عليه في مواقف معيّنة.
وتُبيّن الأدبيات العلمية أنَّ ضعف الانتصاب لدى الفئات العمرية الشابة قد يعود إلأى عوامل نفسية مثل القلق، الاكتئاب وضغوط العلاقة أو لأسباب عضوية تشمل الاضطرابات الوعائية، الهرمونية والعصبية، كما آثار بعض الأدوية (Nguyen et al., 2017). فهي عملية فيزيولوجية مركّبة تتطلّب تناسقاً بين الجهاز العصبي، الأوعية الدموية، الهرمونات والعوامل النفسية.
و بالتالي، لا يجوز افتراض أنَّه مشكلة نفسية حصراً ولا استبعاد الأسباب العضوية لمجرّد أنَّه شاب أو لديه رغبة.
#Analysis#
وهنا يجب التمييز بين الرغبة الجنسية والاستجابة الجسدية، إذ لا يضمن وجود الأولى حدوث الثانية ولا يعني التعثّر غياب الانجذاب. لذا، يبقى التقييم الطبّي المتكامل ضرورياً لتحديد الأسباب المحتملة سواء كانت نفسية أم عضوية.
ويُعدّ قلق الأداء الجنسي من أبرز العوامل النفسية المؤثّرة في هذه الصعوبات، إذ يُحوّل الخوف من الفشل وضغط التوقّعات العلاقة إلى اختبار، فتزداد مراقبة الاستجابة الجسدية وتتشتّت الأفكار، ما يُعيق الاسترخاء ويُفاقم القلق في التجارب اللّاحقة.
ويختتم موسى بالتذكير بأنَّ "الانجذاب الجسدي لا يضمن وحده بناء علاقة عاطفية مستقرّة، فالانشداد ينشأ عن الرغبة بينما يقتضي التقارب مقوّمات كمهارة إدارة الخلافات".
وتُفسّر نظرية التعلّق هذه الفروق، إذ يتّصل النمط التجنّبي بصعوبة الإفصاح عن المشاعر، فيما يتّسم النمط القَلِق بحساسية مفرطة تجاه الرفض (Mikulincer & Shaver, 2019; Simpson & Rholes, 2017).
عليه، لا يتطابق الأداء الجنسي مع الاتّزان الذي يتطلّب تواصلاً فعّالاً، احتراماً للحدود وقدرةً على تحمّل المسؤولية داخل العلاقة.

ويفتح العلاج النفسي مساحة أمان ضرورية لتفكيك هذه التراكمات ومواجهة المخاوف بعيداً عن القسوة المجتمعية. فالصحة النفسية والجنسية وجهان لعملة واحدة والرجل إنسان يعتريه التعب، تُؤثّر فيه الأدوية وتقع عليه ظروف تحول دون جاهزيّته، فالحياة الحميمية ليست ساحة للاستعراض ولا واجباً يُفرض قسراً.
وقد حان الوقت لإسقاط الأوهام والكفّ عن ممارسة السطوة وسيلة زائفة لإثبات الذات، فذروة الفهم تكمن في شجاعة الاعتراف بالخوف والحاجة إلى الراحة.
إكسروا القوالب النمطية البالية: ليس عيباً أن يرفض الرجل، يتوقّف أو يمرّ بوعكة نفسية أو جسدية، فالروابط السليمة تتأسّس على التقبّل الصادق لإنسانية الغير.
المصدر: النهار
