أزمة قيم في زمن الباطل
روجيـه ضاهريـة
بئس زمنٌ يصبح فيه المهزوم منتصراً، والخاسر بطلاً، والكاذب يُرفع على الأعناق، والخائن يُتوج بالإخلاص! إنه زمنٌ تُسحق فيه الحقيقة تحت وطأة الأوهام، ويُقيّد العدل بسلاسل الظلم، بينما يتربع الباطل متباهياً على عرشٍ هش.
نعيش اليوم في عصرٍ اختلطت فيه الأوراق حتى صار من الصعب التمييز بين الحق والباطل. زمنٌ تصدرت فيه المصالح الشخصية المشهد، وسُحقت المبادئ تحت أقدام الأنانية. بات الجاهل حكيماً يتصدر المجالس، والعالم مُهملاً ينزوي في ظلال النسيان.
زمنٌ انتفخ فيه الباطل كفقاعة، وانكمش الصدق حتى صار همساً في زوايا مظلمة. المنافقون يملكون الأضواء، والشرفاء يُطردون إلى الظل. ميزان القوة أضحى مختلاً، وأصبح الظلم رمزاً للهيمنة، بينما يُرسم الضعف بخطوط الهزيمة الأبدية.
ألا تُدمي قلوبنا هذه المشاهد؟! الحقيقة مكبلة، والخيانة يُصفق لها. المبادئ تُباع في سوق المصالح، والأمانة تُغتال في وضح النهار. إنه ليس زمناً عادياً؛ بل هو عاصفة تهز أركان المجتمع وتقتلع جذوره. فأين تلك القيم التي حملتها الأجيال؟ وأين أصوات الحق التي كانت ترتفع فوق كل باطل؟
لقد تفشى هذا المرض في جميع جوانب حياتنا: في العمل، يُستبعد الكفء ويُمنح المتملق الفرص. في العلاقات، باتت المصالح هي الحاكم، بينما تُنسى القيم التي جمعتنا كأفراد وجماعات. في السياسة، أضحت السلطة غاية، والنزاهة كلمة تُذكر في خطاباتٍ جوفاء.
ورغم كل هذا الظلام، هناك أمل. أمل ينبعث من القلوب التي لا تزال تؤمن بأن الحق لا يموت، وأن الليل مهما طال، لا بد أن يُشرق فجره. التاريخ علّمنا أن الأمم العظيمة لا تبنى إلا بالعدل والقيم، وأن الباطل مهما علت صيحاته، لا يصمد أمام كلمة حقٍ صادحة.
ولكن علينا أن ندرك أن التغيير يبدأ منا. علينا أن نعيد بناء نفوسنا قبل أن نعيد بناء مجتمعاتنا. أن نزرع في أبنائنا حب الحق، وأهمية العلم، وقيمة الصدق. أن نعيد للعلم مكانته، وللأمانة هيبتها، وللمبادئ رونقها.
على الأفراد أن يكفوا عن دور المشاهدين الصامتين. فلنتوقف عن الاحتفاء بالمظاهر الفارغة ولنعد إلى الجوهر. على مستوى المجتمع، علينا أن نواجه كل من يُسيء استخدام السلطة وأن نعيد بناء مؤسساتنا على أسس النزاهة والكفاءة. وفي علاقاتنا اليومية، لنعد إلى قيم التعاون والمحبة الحقيقية بعيداً عن المصالح الضيقة.
فلنحوّل هذا الزمن المظلم إلى درسٍ للأجيال القادمة. درساً يُكتب بأحرفٍ من نور، يروي كيف نهضنا من عثراتنا، وكيف أعاد الخير بناء ما هدمه الباطل.
فالسؤال الذي يواجهنا اليوم: هل نملك الإرادة لنكون أداة للتغيير؟ هل نملك الشجاعة لنُعيد ترتيب حياتنا وقيمنا، أم سنبقى في مقاعد المتفرجين على انهيار مجتمعٍ كان يمكن إنقاذه؟
المصدر: النهار