الرياض تعزز موقعها في مشهد الطاقة العالمي وبناء الشراكات | صحيفة الاقتصادية
مؤتمر البترول يفتح مسارات جديدة للاستثمار والابتكار ترسّخ العاصمة الرياض حضورها بوصفها منصة دولية للحوار وصناعة التوجهات في قطاع الطاقة، مع استضافتها النسخة الخامسة والعشرين من مؤتمر البترول العالمي، بالتزامن مع اجتماعات وزارية دولية ولقاءات تجمع صُنّاع القرار وقادة الشركات والمنظمات الدولية والخبراء، في مشهد يعكس اتساع دور السعودية في مناقشة تحديات أمن الطاقة واستقرار الأسواق ومستقبل الاستثمارات والتقنيات المرتبطة بالقطاع.وتأتي استضافة هذه الفعاليات ضمن أسبوع الطاقة في الرياض، الذي يجمع أكثر من 70 وزيرًا، وما يزيد على 300 من رؤساء الشركات وكبار التنفيذيين، إلى جانب قيادات أكثر من 25 منظمة دولية معنية بالطاقة، بما يوفر مساحة واسعة لتبادل الرؤى وبحث فرص التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة، في وقت تتزايد فيه تحديات تلبية الطلب العالمي، وتتسارع فيه التحولات التقنية، وتتنامى الحاجة إلى استثمارات طويلة الأجل في الإنتاج والبنية التحتية والحلول منخفضة الانبعاثات.وتكتسب استضافة المملكة مؤتمر البترول العالمي للمرة الأولى منذ انطلاقه في لندن عام 1933 أهمية خاصة، إذ تتجاوز دلالتها انعقاد حدث دولي كبير إلى جمع مسارات الحوار السياسي والاقتصادي والصناعي والتقني في مكان واحد، بما يتيح بحث مستقبل الطاقة من زوايا متعددة، تشمل موثوقية الإمدادات، ومرونة سلاسل التوريد، وتطوير الموارد، وتعزيز الابتكار، وتأهيل الكفاءات البشرية.أمن الإمدادات واستقرار الأسواق في صدارة الحوارتتصدر قضايا أمن الطاقة وموثوقية الإمدادات واستقرار الأسواق جدول النقاشات، بالتوازي مع بحث سبل تنويع مصادر الطاقة وتطوير البنية التحتية وتعزيز شفافية البيانات، بما يساعد الدول والشركات على التعامل مع تقلبات العرض والطلب واتخاذ قرارات استثمارية أكثر كفاءة.وفي هذا السياق، استضافت الرياض الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، بمشاركة إيطاليا ونيجيريا في استضافة الاجتماع، تحت شعار «أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد». وناقش المشاركون مرونة سلاسل الإمداد، والاستثمار في الإنتاج والتكرير والغاز الطبيعي المسال وشبكات الكهرباء والتخزين، إلى جانب التقنيات الحديثة والمعادن الحرجة، مع مراعاة اختلاف الموارد والأولويات الوطنية للدول. Screenshot 2026-10-14 171203كما شهد أسبوع الطاقة انعقاد الاجتماع السابع لرؤساء المنظمات المشاركة في مبادرة بيانات المنظمات المشتركة «جودي» (JODI)، الذي بحث خارطة طريق المبادرة للفترة من 2026 إلى 2030، بهدف تطوير شمولية البيانات وحداثتها بشأن أسواق البترول والغاز والمخزونات والمنتجات المكررة.ويعزز هذا المسار أهمية المعلومات الموثوقة في فهم تطورات الأسواق، خصوصًا مع ترابط مصالح الدول المنتجة والمستهلكة وتأثر قرارات الاستثمار والإنتاج بتوقعات الطلب ومستويات الإمدادات. كما ينسجم مع استمرار التعاون الثلاثي بين وكالة الطاقة الدولية ومنتدى الطاقة الدولي ومنظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» في تبادل البيانات والتحليلات المتعلقة بالسوق العالمية.وتحظى هذه الاجتماعات ببعد مؤسسي إضافي مع احتضان الرياض المقر الدائم للأمانة العامة لمنتدى الطاقة الدولي، الذي يمثل منصة للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة ودول العبور، ويعمل على تقريب وجهات النظر بشأن القضايا المشتركة.الطاقة السعودية.. توطين وابتكار وتوسيع القيمة الاقتصاديةعلى مستوى الصناعة المحلية، سلطت جلسة «القيادة والابتكار والمرونة في الطاقة السعودية» الضوء على توجهات المملكة نحو توطين سلاسل الإمداد، ورفع المحتوى المحلي، وتوسيع القدرات التصنيعية، إلى جانب الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين النظيف وتقنيات إدارة الكربون.وأكد المشرف على وكالة التوطين والمحتوى المحلي وإدارة المخاطر المكلف زيد بن فهد الغريب أهمية تعزيز التصنيع المحلي وتقليص الاعتماد على واردات المعدات والمواد المرتبطة بقطاع الطاقة، بما يرفع القيمة الاقتصادية ويعزز مرونة الإمدادات، لا سيما في أوقات الأزمات. وأشار إلى أن المملكة تصنع معدات حيوية، من بينها توربينات الغاز، مع تصدير بعضها إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.وتناولت الجلسة كذلك فرص تطوير مشروعات تخزين الكربون واستخدامه في تطبيقات متنوعة، من تحلية المياه ومواد البناء إلى تحسين كفاءة احتراق الديزل، إلى جانب دور الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين في تنويع منظومة الطاقة. وأكد المشاركون أهمية الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتحليلات البيانات في رفع كفاءة العمليات وتحسين الإنتاجية، بما يجعل التقنية عنصرًا أساسيًا في تطوير تنافسية الشركات العاملة في القطاع. Screenshot 2026-10-14 171350وبرزت أيضًا فرص استثمارية مرتبطة بالليثيوم، مع استعراض تجربة تجريبية لاستخلاصه من المياه المالحة بالتعاون مع أرامكو السعودية، والانتقال إلى مشروع محدود النطاق يمكن التوسع فيه مستقبلًا. ويعكس هذا التوجه أهمية استكشاف موارد جديدة وتطوير تطبيقات تخدم صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية، وتفتح مجالات إضافية أمام الأنشطة المرتبطة بالطاقة.الإنسان والتقنية في معادلة التحوللا تقتصر التحولات التي يناقشها المؤتمر على البنية التحتية والاستثمارات، بل تمتد إلى الكفاءات البشرية والاحتياجات الاجتماعية المرتبطة بالطاقة. ففي جلسة «الأولويات الاجتماعية في مشهد طاقة متغير»، ناقش المشاركون العلاقة بين تطور الصناعة وتحسين الوصول إلى الطاقة الموثوقة والميسورة التكلفة، إلى جانب تمكين المرأة وتأهيل الشباب لمتطلبات الوظائف المستقبلية.وأكد رئيس جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الدكتور محمد بن محسن السقاف أن تطوير قطاع الطاقة يتطلب الجمع بين الاستثمار المالي وتنمية المواهب، وإعداد كوادر قادرة على الابتكار وإنشاء أنشطة اقتصادية جديدة، مشيرًا إلى أهمية البرامج الأكاديمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والهيدروجين والطاقة المتجددة والتحول الرقمي وموارد الكربون غير التقليدية.من جانبه، شدد الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي المهندس جاسم عيسى الشيراوي على عدم وجود مسار واحد يناسب جميع الدول في تحول الطاقة، مؤكدًا أهمية مراعاة اختلاف الموارد والقدرات والأولويات، مع استمرار الحاجة إلى الاستثمار في النفط والغاز والطاقة المتجددة والطاقة النووية لتلبية الطلب العالمي المتزايد. كما برزت أهمية معالجة محدودية الوصول إلى الطاقة الحديثة والحلول النظيفة لدى مئات الملايين حول العالم.11 اتفاقية ومذكرة تفاهم توسع الشراكاتتُرجمت الحوارات إلى خطوات عملية عبر توقيع 11 مذكرة تفاهم واتفاقية تعاون خلال أسبوع الطاقة، شملت مجالات البترول والغاز والكهرباء والطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة والبنية التحتية.وتضمنت الاتفاقيات ثلاث مذكرات تفاهم مع الكويت وقطر ومصر، لتعزيز التعاون في الكهرباء والربط الكهربائي والطاقة المتجددة والبترول والغاز والتكرير والخدمات اللوجستية. كما شملت أربع مذكرات مع منغوليا وتنزانيا وقبرص وموريشيوس، تناولت مجالات متنوعة، من تطوير سلاسل الإمداد وكفاءة الطاقة إلى الهيدروجين النظيف والاقتصاد الدائري للكربون.وامتد التعاون إلى مذكرة تفاهم بين وزارة الطاقة ومنتدى الطاقة الدولي بشأن الطاقة النظيفة والتقنيات المرتبطة بها والاقتصاد الدائري للكربون، إلى جانب اتفاقيات لبرنامج استدامة الطلب على البترول مع وزارة الطاقة في سيراليون ومؤسسة أمريكية، لدعم حلول الطهي النظيف وتطوير البنية التحتية للوقود والطاقة.وفي مجال الطاقة المتجددة، شهد الأسبوع توقيع شركة «أكوا» مذكرة تعاون مع شركة «صن ستِب باور» المنغولية لاستكشاف مشروع لإنتاج 4.5 جيجاواط من الكهرباء من مصادر متجددة في منغوليا وتصديرها إلى الصين، مدعومًا بمنظومة تخزين بالبطاريات بسعة 500 ميجاواط/ساعة، إلى جانب تطوير البنية التحتية اللازمة لنقل الكهرباء.وتعكس هذه الاتفاقيات تنوع الشراكات التي تعمل المملكة على تطويرها، وتكاملها بين تأمين الإمدادات وتوسيع التجارة والاستثمار في التقنيات الحديثة والطاقة المتجددة، مع فتح مجالات جديدة للتعاون بين القطاعين الحكومي والخاص.وفي المحصلة، يجمع أسبوع الطاقة في الرياض بين الحوار الوزاري، وتبادل البيانات، ومناقشة مستقبل الصناعة، وتوقيع الاتفاقيات، ضمن مسار متكامل يربط القضايا الاستراتيجية بالتطبيقات الاستثمارية والتقنية. وتؤكد هذه الفعاليات أهمية التعاون الدولي في مواجهة تحديات الطاقة، كما تبرز دور الرياض منصةً لتقريب وجهات النظر وبناء الشراكات، في وقت يتطلب فيه نمو الطلب العالمي تحقيق توازن بين أمن الإمدادات، والقدرة على تحمل التكاليف، والتنمية الاقتصادية، والاستدامة.
المصدر: الاقتصادية