"داء البروسيلات".. بين خسائر الثروة الحيوانية وتهديد الصحة العامة
عايدة بنت ناصر التوبية حين نحمي الحيوان من المرض، فإننا لا نحمي الثروة الحيوانية فحسب، بل نضع خط دفاع أول لحماية الإنسان. ومن هنا تبدأ أهمية الوقاية من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، مثل داء البروسيلات والذي يعرف أيضا بالإجهاض المعدي لدى الحيوان، والحمى المالطية أو الحمى المتموجة لدى الإنسان. فهذا المرض قد يبدو في ظاهره مرضا يصيب الحيوان، إلا أن تأثيره يمتد إلى صحة الإنسان وسلامة الغذاء والمجتمع، وهو ما يجسد مفهوم الصحة الواحدة (One Health)؛ فمثل هذه الأمراض تذكرنا أن صحة الإنسان لا يمكن فصلها عن صحة الحيوان. داء البروسيلات تسببه بكتيريا من جنس Brucella، وتضم عدة أنواع ترتبط بأنواع مختلفة من الحيوانات، من بينها الأغنام والماعز والأبقار والإبل. فالحيوان المصاب يمكن أن يكون مصدرًا للعدوى لدى الإنسان، وفي المقام الأول الأشخاص الذين يرتبط عملهم بشكل مباشر بالحيوانات، مثل المزارعين ومربي الماشية والأطباء البيطريين والعاملين في المختبرات. وتتعدد طرق انتقال العدوى، ويرتبط بعضها بما نستهلكه يوميًا؛ اذ يمكن أن تنتقل العدوى عن طريق استهلاك الحليب أو منتجات الألبان غير المبسترة القادمة من حيوانات مصابة، إلى جانب التعرض المباشر للحيوانات المصابة أو للأنسجة والإفرازات الملوثة والدم، ولا سيما أثناء حالات الولادة والإجهاض. حيث يشكل مرض الإجهاض المعدي (البروسيلا) تهديداً كبيراً للثروة الحيوانية، فهو يخلف خسائر إنتاجية وتناسلية فادحة؛ وتبرز أعراضه في الحيوانات على شكل حالات إجهاض متأخرة وخاصة في الثلث الأخير من الحمل، إضافة إلى التهابات تناسلية ذكرية وأنثوية وعقم، وانخفاض حاد في إنتاج الحليب. وتكمن خطورة المرض بالنسبة للإنسان في أن أعراضه قد لا تكون واضحة، وقد تتشابه في بدايتها مع العديد من الأمراض الأخرى. وقد يعاني الإنسان المصاب من الحمى، والتعرق، والإرهاق، والصداع، وآلام العضلات والمفاصل والظهر، وقد يصاحب ذلك فقدان الشهية أو نقص الوزن في بعض الحالات. فالمعلومة التي يقدمها المريض والتي قد تبدو بسيطة، مثل التعامل مع حيوان مصاب أو استهلاك منتجات ألبان غير مبسترة، قد تكون ذات قيمة للطبيب في الوصول إلى التشخيص المناسب. وعلى مستوى المستهلك، فإن بعض الإجراءات البسيطة يمكن أن تكون ذات أثر كبير. فاختيار الحليب ومنتجات الألبان المبسترة وتجنب المنتجات مجهولة المصدر، كلها ممارسات تساعد في الحد من خطر الإصابة. أما المزارعون والعاملون في مجال تربية الحيوانات، فتبرز أهمية الوقاية بشكل أكبر عند التعامل مع الحيوانات المريضة أو المصابة أو حالات الولادة والإجهاض، وذلك باستخدام معدات الوقاية الشخصية المناسبة، والتعامل الآمن مع الحيوانات المريضة أو التعامل مع الأجنة المجهضة والأغشية المشيمية والإفرازات، إلى جانب التخلص الآمن والسليم من المخلفات الملوثة، وتنظيف وتطهير أماكن التربية وفق الإرشادات البيطرية. ومن واقع المجال البيطري، فإنَّ الوقاية من داء البروسيلات وغيره من الأمراض المشتركة لا تقع على عاتق قطاع واحد، بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين قطاعات الصحة الحيوانية والصحة العامة، إلى جانب وعي المجتمع. فمكافحة هذه الأمراض تبدأ من صحة الحيوان، وتمتد إلى سلامة الغذاء وحماية الإنسان، في إطار نهج الصحة الواحدة الذي يربط صحة الإنسان والحيوان والبيئة. ** تقنية بيطرية بدائرة الصحة الحيوانية في المديرية العامة للثروة الحيوانية
المصدر: الرؤية