البساطة.. مفهومًا وإشكاليةً
مصطفى بن محسن اللواتي في الآونة الأخيرة، وفي عدة لقاءات بين الأصدقاء تارة، وبين الأهل أخرى، وبتنوع مشاربهم وتطلعاتهم وأفكارهم، ولكن مع تشابه أعمارهم (بين 40- 60 عامًا) لاحظت وجود رغبة لدى كثيرين منهم بالعودة الى "البساطة". لكن.. ماذا نعني بـ"البساطة"؟! "البساطة" لفظ يبدو "واضحا" لدى الجميع، ويبدو "بديهيا" للوهلة الأولى، لكنه ليس كذلك؛ إذ إنه ليس محدد الدلالة عند الجميع، تتعدد دلالاته من خلال السياق، وباختلاف الأشخاص، واختلاف الزمن الذي يتم استحضاره، واختلاف التجارب، فما قد يراه الشخص "بساطة" سيكون شيئًا مختلفا عند آخر. أحد الأحبة قال ألا يمكن أن نقول إنه من المفاهيم "المشككة"؟ وكان جوابي طبعا لا، لأنه حسب فهمي أن "المشكك" عند المناطقة والفلاسفة هو الذي يشترك أفراده في معنىً واحد، مع تفاوتهم في مراتبه قوةً وضعفًا، أو بالتقدم والتأخر، أو الأولوية وعدمها، ويضربون مثاله في الوجود الذي هو واحد، ولكن يتفاوت بين الإنسان والحيوان والجماد قوةً وضعفًا. يمكن التعبير عن "البساطة" بأنه مفهوم "نسبي"، وبلغة بسيطة هو لفظ "فضفاض". "البساطة" مصطلح يتم تكراره وله في ذهن كل شخص تفسير وقصد يختلف عن الآخر، من جهة أخرى حتى الفترة الزمنية التي يقصد الشخص بالرجوع إليها، والتي يستحضرها في ذهنه سنجدها مختلفة من شخص لآخر. فمن عمره الستين، ستكون فترة السبعينيات والثمانينيات مثلًا في مخيلته، بينما من عمره الأربعين ستكون فترة التسعينيات وبداية الألفين هي المترسخة في مخيلته. ومع ذلك كلهم يدعون للرجوع إلى البساطة، ولو سألنا جيل الالفين، وهم الذين لم يكبروا إلا على المكيفات، والثلاجات، والأجهزة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، لرأوا في "البساطة" حرمانًا ونقصًا في وسائل الراحة، وتخلفًا عن عجلة التقدم، وفعلًا أليس في البساطة المعنية في الكلام تخلف عن واقع الحياة الآن. هل البساطة ما يعاكس التعقيد؟ وهل نحن نعيش عصرًا معقّدا فعلًا؟ ألم نكن نسمع من آبائنا وأجدادنا كم كانت الحياة مرهقة لهم، وكم عانوا وتعبوا حيث لا وسائل -كالتي عندنا- توفرت لهم، وكم عاشوا حياة الفقر والبؤس ووو…إلخ. أليس هذا كله تعقيد؟! هل البساطة هي ما نسميه حاليًا "زمن الطيبين"؟ بكل ما تحويه كلمة "الزمن" وكلمة "الطيبين" من ارتدادات تلامس العقل والوجدان. مثلا هل اختفت الطيبة فعلا من الحياة؟ هل حل الكره والبغض والعداوات محلها؟! ثم هل فعلا لم تكن في السابق مثل هذه الأخلاق المشينة؟ ألم نقرأ أو نسمع كمية النزاعات بين الأسر والقبائل سالت فيها الدماء، وكذلك الخلافات الكثيرة بين الأخ وأخيه والأب وابنه وصلت لحد القطيعة. هل البساطة كانت في "العادات" و"التقاليد"؟ والتي نرى بعضها اختفت وانطمست، وبعضها لم تعد تهم أجيالًا شكّلت لحياتها تقاليدها الخاصة، وبعضها يتم تحويرها لتناسب هذا العصر. هل كل العادات كانت جيدة؟! وهل العادات لها قدسية خاصة كي تستمر؟ بل وتُفرض على الإنسان؟! ألم تتغير العادات التي كانت قبل 100 عام؟ ألم يلغِ جيلنا بعضها وغيّر في بعضها الآخر؟ بل، ألم يؤسس جيلنا بعض هذه العادات؟! هل البساطة في قلة الالتزامات؟! حينها ستكون البساطة مساوقة للتنصل من المسؤوليات، وستكون البساطة تبريرًا للكسل والتقاعس. إذن ما هي البساطة التي نكررها ونعيد إنتاجها في الذهن يوما وراء آخر وكأننا فقدنا شيئًا مهما في حياتنا؟ في تقديري إن في داخل كل واحد منّا حنينًا للماضي، وحنينا للذكريات. وكل شخص يواجه مصاعب معينة، وظروفًا معقدة، ويشاهد ما لا يعجبه أو يرتاح إليه، ينصرف وجدانه إلى ماضيه، ذلك الماضي الذي كان مرتاحًا فيه، لأن مسؤولياته كلها كانت على أجداده وآبائه، فلا يعرف عما عاناه أولئك، فعاش ولعب ودرس وتزوج ولم يتحمل أية مسؤولية، وانطبعت تلك الفترة في ذهنه أنها الأجمل الأسهل. من الطبيعي أن تكون "الفترة المريحة" في حياة كل واحد منّا، هي الملجأ الآمن، والحضن الدافئ، والمقصد الجميل، لأن تلك الفترة خلت من المسؤوليات، وصَفَت من الالتزامات، وكانت فترة شباب مليئة بالصحة والطاقة واللعب والرحلات.. إلخ. وما يزيد جمالية تلك الفترة، أن أية مشاكل تحدث للشخص، أو يفتعلها الشخص نفسه، يتحمل تبعاتها الأب او الأخ الأكبر أو الأعمام والأخوال، فدائما هناك حضن أُمٍّ يلجأ إليه، أو رعاية كبيرٍ يكون جدارًا يحميه. هل هذا الكلام يعني اننا بخير ولم نفتقد شيئا؟! أو بتعبير آخر: ما الذي فقدناه لنسمي البحث عنه بحثًا عن البساطة؟! هناك متغيرات كثيرة حدثت ولا زالت، أثرت في نمط الحياة، لا علاقة لها بالبساطة والماديات وغيرها، بل لها علاقة وطيدة بتغير المفاهيم، وتبدُّل القيم، وتحَوُّلٍ في وظائف الحياة. ربما البساطة التي نبحث عنها ليست بساطة الأشياء من حولنا، وإنما بساطة علاقتنا بها، أن نستخدم الأشياء دون أن تتحول إلى غايات، وأن نعيش الحياة دون أن نحتاج إلى عرضها، وأن نعرف ماذا نريد وما لا نريد، وأن نمتلك الأشياء دون أن تمتلكنا. نحن لا نفتقد البساطة، إنما نفتقد المعنى؛ فنحن نمتلك وسائل اتصال أكثر وأسرع، ولكن هل أصبحت العلاقات أكثر عمقًا؟ أم إنها تراجعت؟ نحن نمتلك قدرات أكثر وأكبر للوصول إلى الناس، ولكن هل أصبحنا أكثر قربًا منهم؟! لدينا خيارات أكثر، ولكن هل هناك رضًا أكثر؟! هنا يجب التوقف طويلًا عند مفهوم "التفاهة" والذي بات يسيطر على كثير من مفاصل المجتمعات، ولا بد من التوضيح أن التطور لا يساوي التفاهة، فهما أمران لا يجتمعان بالضرورة، إنما واقع الحال، وسيطرة إعلام الشركات الضخمة، وكذلك نشر الثقافة الغربية التي تتبناها الحكومات، إضافة إلى مصالح طبقة الحكّام والتجار وغيرهم، والتي تريد للمجتمعات أن تكون مغيَّبة ومستهلِكة ومنشغِلةً عن واقعها، كل هذا مفردًا أو مجتمِعًا، بعضُه او جميعه، أفرز واقعًا مريرًا يمكن مشاهدته من خلال سيطرة: ثقافة الاستهلاك؛ حيث نعيش زمنًا تحول فيه الاستهلاك إلى غاية، وتتجلى هذه الثقافة في المقاهي والمطاعم وأنواع الهواتف وموديلات الملابس والموضات، وأنواع الكريمات والزيوت والعطور، وعيادات وصالونات التجميل النسائية والرجالية، وكثير من هذه الأمور. من خلال هذه الثقافة تم توجيه مصاريف أسر ومجتمعات لمقهى تشرب فيه "الماتشا" الخطير، أو لمطعم جديد تجرب فيه "السلايدر" الأسطورة، أو لزيارة العيادة الفلانية لعمل "فيلر" و"توريد" للشفاه، أو "بوتكس" للخدود، أو ابتسامة "هوليوود" و"فينير" للأسنان. ثقافة الاستعراض؛ وتتجلى فيما نراه ممن يسمون أنفسهم بـ"البلوجرز" و"المؤثرين" و"اليوتيوبرز" و"مشاهير الإنترنت" وغيرها من الأسماء التي يراد منها إضفاء قيمة على حامليها، وفي الواقع معظم هؤلاء ليسوا إلا "برامج" ربما بحسن نيّة عند كثيرين منهم- لتحوير نمط حياة مجتمعات كاملة عاشت الجدية والمسؤولية، إلى مجتمعات فارغة، غايتها العظمى أن تُصور في مطعم أو فندق، والى استعراض انواع الثياب، وكيفية عمل "الميك أب" وأخذ حمام الـ"تان". مجتمعات تعرض حياتها أمام الملأ لتكون حديث أصدقاء وجماهير، وترقص أمام كاميرا الموبايل على آخر إصدارات الأغاني لتواكب "الترند" الجديد. تصبح هذه الشخصيات قدوات، فتبدأ الأجيال تتسارع خلفها، وتتحول إلى أجيال لا علاقة لها بعمارة الأرض، ولا بواقع الحياة الحقيقية، ولا بهموم أسرة أو مجتمع، فضلًا عن هموم أمّة. مما يؤلم حقيقة أننا أصبحنا لا نعيش "الحياة" إنما أصبحنا نعيش من أجل "تصوير الحياة"، فصار الفرد عبدًا مملوكًا للكاميرا، ولم تعد قيمة التجربة في أن نعيشها، بل في أن تكون قابلة للتصوير والنشر. ثقافة الطقوس؛ فالتوجه الى العمل صباحا وفي اليد كأس يحمل علامة قهوة شهيرة تحوَّل إلى طقس مُهم وضروري، والركوب في سيارة فارهة، إلى طقس موسمي أساسي، كما أن الابتسامة الباهتة أمام الكاميرا وعمل إشارات سخيفة باليد طقس آخر في كل صورة، وهكذا تتعدد الترندات لتتحول إلى طقوس تمارس للاستعراض تارة، ولإشباع رغبات مواكبة "ترند" تارة اخرى. ثقافة الترفيه.. قبل أيام جمعتني في الدمام جلسة شيقة ثرية راقية مع الإعلامي السعودي الكبير محمد رضا نصرالله، وبحضور عدد من الأدباء والشعراء والمثقفين الشباب والمخضرمين، كان نصر الله يروي وبكل اعتزاز وحماس مواقفه وذكرياته مع أجيال من الأدباء والمثقفين ممن عاشرهم وأجرى معهم لقاءات، من أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ومحمد مهدي الجواهري ومصطفى جمال الدين وآخرين كثر. حينما سمعت هذه الأحاديث، وعن هذا الكم الكبير من الكتّاب والعلماء، وعن تلك الجلسات الفخمة المليئة فكرا وثقافة وشعرًا، اعترتني مشاعر متناقضةٌ متنافرةٌ، زهو وفخرٌ بهذا التراث الضخم، وتلك الجدية في التعاطي مع الحياة، وشعور بالحزن والإحباط والحيرة مما وصل إليه حال مجتمعاتنا. فقد حلَّ "الترفيه" محل كل كلام وفعل جاد يصب في مصلحة الفرد والمجتمع، ويا حبذا كان الترفيه فعلا فترة استراحة تعين على القادم من الأمور، بل أصبح الترفيه غاية، وتعددت "المرفِّهات" لتتوسع إلى التوافه من الأمور، وفيها يتم تناول أعراض الناس، والسخرية من آخرين، والغيبة هي مائدة الطعام الشهية. وأخذت كرة القدم حيزًا واسعًا وكبيرًا من الأوقات، والمقاهي تكمل على المتبقي منها، والجلسات العائلية ولقاءات الأصدقاء قلما تجد فيها نقاشًا جادًا، أو تداولًا لأمور مهمة. حتى النكات أصبحت "سخيفةً" وكما يقول إخواننا المصريون: "بايخة"، وحلَّ التهريج محل كل جميل ولطيف. في الختام.. ربما نحن في دواخلنا لا نريد العودة إلى الماضي، ولا نريد حياة أقل تطورًا، ولا نريد أن تكون حياتنا بدون تكنولوجيا ورفاهية، إنما نريد فقط أن نستعيد قدرتنا على أن نعيش الأشياء، لا أن تكون الأشياء هي التي تعيشنا.
المصدر: الرؤية