قصيدة الشيخ محمد بن سالم الرقيشي بخط الوالي محمد بن سيف بن حمد الأغبري
سلمى بنت سيف البطاشي تتعدد المداخل التي يمكن من خلالها استعادة سير العلماء والشخصيات العُمانية، فقد حفظت لنا المصادر أخبارهم، وكشفت الوثائق عن جوانب من أعمالهم، بينما تمنحنا المخطوطات شواهد مادية تقرّبنا من اهتماماتهم وصلتهم بالعلم والأدب، وقد تجتمع هذه الجوانب في شخصية واحدة، فتتجاوز سيرتها حدود المناصب والأعمال إلى ما تركته من آثار مكتوبة تستحق البحث والتعريف. ولم تقتصر عناية العلماء في عُمان على التأليف والتصنيف، بل امتدت إلى نسخ الكتب، وجمع المصنفات، وترتيبها، والمحافظة على النصوص وتداولها بين أهل العلم. وقد أدى النسخ دورًا مهمًا في انتقال المعرفة عبر الأجيال، فبقيت بفضله كتب وقصائد وشواهد مكتوبة تحمل آثار أصحابها، وتكشف عن جوانب من حياتهم واهتماماتهم العلمية. ومن الشخصيات التي تتجلَّى في آثارها المكتوبة الشيخ محمد بن سيف الأغبري الذي عُرف شاعرًا وواليًا، وخلّف لنا شواهد على عنايته بالنسخ، كما امتدت جهوده إلى جمع وترتيب مؤلفات والده، وهو جانب يستحق الوقوف عنده لما ينطوي عليه من عناية بتراث الأسرة العلمي والمحافظة على آثاره. وعلى خطى والده، ومقتديًا بسيرته، وملتزمًا بعطائه، سار الشيخ الأديب الوالي محمد بن سيف بن حمد الأغبري -رحمه الله -، المولود في بلدة الحصن بولاية دماء والطائيين عام 1340هـ/ 1922م، وقد تربى وشبّ وترعرع متنقلًا مع والده من بلدة إلى أخرى، فنزل ولاية إبراء حيث كان والده واليًا وقاضيًا بها زمن الإمام الرضيّ الزاهد سالم بن راشد الخروصي -رحمهم الله جميعًا-، فحفظ القرآن الكريم بها، وحينما نُقِل والده إلى نزوى تعلَّم هناك نحو العربية وقرأ كتب الأدب والفقه، ثم بدأ حياته العملية بوظيفة كاتب في المحكمة الشرعية بمسقط بصحبة والده، ثم عيّنه السلطان سعيد بن تيمور واليًا على العديد من ولايات عُمان إلى أن تقاعد سنة 1975م واستقر بولاية إبراء حتى وفاته. ولا تنفصل هذه السيرة عن الآثار التي بقيت شاهدة فقد تكشف الشواهد المتوافرة عن عنايته بنسخ الكتب؛ إذ نسخ ما يقارب خمسة وعشرين كتابًا، وهو عدد يستحق التوقف عنده، لما يبرزه من حضور النسخ في نشاطه واهتمامه، فالنسخ جهد عظيم يتطلب عناية بالنص المكتوب، ومتابعة لعباراته، وحرصًا على إثباته في صورة تمكن من قراءته والانتفاع به. ومن بين ما نسخه الشيخ محمد -رحمه الله- قصيدة للشيخ محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي، أحد رجالات الإمام سالم بن راشد الخروصي، ثم الإمام محمد بن عبدالله الخليلي -رحمهم الله- وكان من الشخصيات البارزة التي كانت لها اليد العليا والقدم الراسخة في بناء الدولة، ويعد من العلماء وأهل الرأي والسياسة. وللشيخ الرقيشي قصيدة حفظها لنا الشيخ الأغبري -رحمهما الله- بخط يده وهي والتي تحمل عنوان "الدُّرة النقيّة في الرحلة الشرقية"، والتي مطلعها: [أغالب فيه الشوق والشوقُ غالبي/عزّال ولكن من لُؤي ابن غالبِ]، وهي قصيدة طويلة اختتم الشيخ محمد بن سيف بن حمد الأغبري نسخها بتوقيع كتب فيه: (انتهت بحمد الله وحسن توفيقه ي بيده حرر يوم 21 صفر الخير سنة 1356 من الهجرة النبوية لصاحبها أفضل السلام) . ومن بين الكتب التي نسخها: و"مراسلات ومسائل فقهية للإمام محمد بن عبدالله الخليلي كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة" للإمام نور الدين السالمي رحمهم الله جميعاً ". ولا تقف جهود الشيخ محمد عند نسخ الكتب، بل تمتد إلى جانب آخر يتصل بالمحافظة على التراث العلمي والأسري. وقد تكون مؤلفات العالم موزعه بين كتب ورسائل ومسائل فقهية وأجوبة ونصوص متفرقة، فيصبح جمعها وتنظيمها خطوة مهمة في التعريف بنتاجه العلمي. وتزداد أهمية هذا العمل حين يتولاه شخص قريب من المؤلف، لديه معرفة بآثاره وما يتصل بها وهذه المؤلفات هي: "عقد الدر المنظوم في الفقه والأدب والعلوم" و "عقد اللآلئ السنية في الأجوبة على المسائل النثرية" و"فتح الأكمام عن الورد البسام في رياض الأحكام" و"فتح الرحمن في الكفارات والأيمان" و "البدر السافر في أحكام صلاة المسافر". توفي الشيخ محمد في اليوم التاسع من شهر جمادى الأولى سنة 1418هـ/ الموافق الحادي عشر من سبتمبر لعام 1997م.
المصدر: الرؤية