تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس
في حديقة بمقر «نواة»، المنصة الإعلامية الاستقصائية المستقلة في تونس، يجلس صحافيون وهم يدخنون السجائر ويتبادلون النكات، فيما يناقشون خلال اجتماعهم التحريري مشاريع تحقيقات يخططون لنشرها. هذا يبدو المشهد قد عادياً، لكن الموضوعات التي يناقشونها قد تكلفهم حريتهم في بلد يقبع فيه أربعة صحافيين خلف القضبان، ويواجه آخرون ملاحقات قضائية، فيما اختار بعضهم المنفى هرباً من المصير نفسه. إنه مشهد يناقض ما كانت عليه الأوضاع في السنوات التي أعقبت الثورة، حين كان انتقاد المسؤولين والرؤساء، بل حتى السخرية منهم في البرامج الكوميدية، أمراً مألوفاً، في مساحة عامة اتسعت فيها حرية التعبير، مقارنة بما عرفته البلاد في عهد زين العابدين بن علي. بعد خمسة عشر عاماً على الثورة التونسية، التي أطاحت بنظام بن علي عام 2011، تجد حرية الصحافة، إحدى أبرز مكاسب الثورة التونسية، نفسها أمام اختبار صعب بعدما استحوذ الرئيس قيس سعيد على صلاحيات واسعة النطاق، كما يقول مراقبون. ويواجه نحو 20 صحافياً ملاحقات قضائية بسبب تقاريرهم، أو منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد سُجن أربعة منهم بالفعل، وذلك وفقاً لزياد الدبار، نقيب الصحافيين التونسيين، الذي وصف الوضع بأنه غير مسبوق. في المقابل، يؤكد الرئيس سعيد أنه ليس ديكتاتوراً، وأن الصحافيين يتمتعون بحرية انتقاد السلطات، وهو ما يفعلونه مراراً. فيما تقول السلطات إن الملاحقات القضائية هي مسائل قانونية محايدة، وإنه لا أحد فوق القانون. ولم يرد المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء التونسي على طلبات التعليق المقدمة من «رويترز». وتقول جماعات حقوقية إن وسائل الإعلام المستقلة تواجه الآن حملة قمع شاملة؛ إذ تراجع ترتيب تونس بأكثر من 50 مركزاً خلال السنوات الخمس الماضية، لتصل إلى المرتبة الـ137 في مؤشر حرية الصحافة، الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود». وبدأ التحول في يوليو (تموز) 2021، حين سيطر الرئيس سعيد على صلاحيات واسعة، وبدأ لاحقاً الحكم بالمراسيم، قبل أن يعيد تشكيل النظام السياسي من خلال دستور جديد عام 2022. ولذلك يرى منتقدوه أن تركيز السلطة بين يديه أضعف الضمانات الديمقراطية، ومهد الطريق لتصاعد الضغوط على الصحافيين والنشطاء والمعارضين السياسيين. بالنسبة لأيمن الرزقي، رئيس تحرير «نواة»، لم تعد المخاطر المرتبطة بالعمل الصحافي استثناء، بل جزءاً من الحياة اليومية. فخلال نحو 20 عاماً من العمل في الصحافة، عايش الرزقي السنوات الأخيرة من حكم بن علي، وتعرض للتضييق والاعتقال والملاحقات. لكنه يرى أن المناخ الحالي بات أكثر خطورة، «ليس بالضرورة لأن القيود أصبحت أكثر وضوحاً، بل لأن الحدود باتت أكثر غموضاً وتقلباً». يقول الرزقي لـ«رويترز»: «قبل 2011، كانت الحدود واضحة. أما اليوم، فنحن نعيش في منطقة رمادية، أشبه بحقل ألغام متحرك، وندفع الثمن كل يوم». ويشير رئيس تحرير «نواة» إلى صعوبات متزايدة في الحصول على المعلومات الرسمية، إلى جانب الضغوط القضائية والمضايقات، والتهديدات عبر الإنترنت وهي قيود يشكو منها كثير من الصحافيين الآخرين. كما واجه موقع «نواة» قيوداً إدارية وقضائية، من بينها قرار بتعليق نشاطه لمدة شهر خلال العام الماضي. وذكر الرزقي أن موقع «نواة» يتلقى بانتظام تهديدات، سواء كانت مجهولة المصدر، أو من مؤيدين للحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي يصفونه بالخائن، بسبب تغطيته لقضايا تشمل السجون، وانقطاع التيار الكهربائي ونقص المياه. لا تقتصر الضغوط على الصحافيين في «نواة» فحسب؛ ففي الرابع من سبتمبر (أيلول) الماضي، اعتقلت الشرطة محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع «الكتيبة» الاستقصائي، في أثناء توجهه إلى محطة إذاعية خاصة للمشاركة في برنامج مباشر. وقد وجَّه إليه قاض تهمة الإثراء غير المشروع، وهي تهمة يصفها اليوسفي بأنها ملفقة. وفي رسالة من سجنه قال اليوسفي: «نحن لسنا حزباً سياسياً، ولسنا ملحقاً بأي طرف، لكننا أيضاً لسنا جسراً تعبر من خلاله السلطة لتمرير أجنداتها. استقلاليتنا ليست امتيازاً نطالب به، بل هي شرط أساسي لوجود الصحافة ذاتها، ولقدرتها على أداء رسالتها في خدمة المجتمع، بعيداً عن التوظيف والتدجين والرقابة». وفجَّر اعتقال اليوسفي، بتهمة الإثراء غير المشروع، انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج التي طالبت السلطات بالإفراج عنه. وانضم اليوسفي إلى قائمة من الصحافيين المسجونين في تونس، تشمل مراد الزغيدي وبرهان بسيس وزياد الهاني. وحُكم على الزغيدي وبسيس بالسجن ثلاث سنوات ونصف سنة لكل منهما في قضايا مالية، إضافة لتهم الإساءة للرئيس، فيما لا يزال الهاني خلف القضبان على خلفية تصريحات انتقد فيها القضاء. لكن السجن ليس المصير الوحيد الذي يهدد الصحافيين في تونس؛ فبالنسبة للبعض منهم، أصبحت مغادرة البلاد خياراً لتجنب الوقوع خلف القضبان، حتى لو كان ذلك يعني ترك أسرهم وشبكاتهم المهنية، وكل ما بنوه على مدى سنوات، في رحلة لم تكن خياراً سهلاً بقدر ما كانت محاولة لتجنب السجن. وغادر أربعة صحافيين على الأقل البلاد، من بينهم هيثم المكي وخولة بوكريم، مؤسسة موقع «توميديا»، وهي صوت قوي ومنتقد للرئيس، والتي وجدت نفسها في ديسمبر (كانون الأول) 2025، مجبرة على مغادرة تونس إلى فرنسا خشية اعتقال وشيك. وبعد أشهر قليلة من مغادرتها، صدر بحقها حكمان غيابيان، بلغ مجموعهما أربع سنوات سجناً، وذلك على خلفية كتابات ومواقف منتقدة للقضاء، وانتقادات لنظام حكم تصفه «بالاستبدادي». وعرفت بوكريم بانتقاداتها اللاذعة لسياسات الرئيس سعيد، وببرامج سياسية تستضيف فيها شخصيات معارضة بارزة، وتسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها في أغلب المنابر الإعلامية المحلية. كما غادر الصحافي البارز هيثم المكي تونس في يوليو (تموز) الماضي، بعدما علم بصدور حكم بسجنه عاماً، على خلفية تعليقات ومنشورات تناولت مخالفات في مستشفى صفاقس تتعلق بجثث مهاجرين. وقد تداولت وسائل إعلام عديدة التعليقات ذاتها، من دون أن تواجه ملاحقات مماثلة. وتشير نقابة الصحافيين إلى أنه، فضلاً عن الملاحقات القضائية، كثيراً ما تمنع الشرطة الصحافيين من العمل في الأماكن العامة، كما يتم احتجازهم أحياناً لساعات. كما أن معظم الوزارات لم تعد تضم مكاتب صحافية، في حين حُرم العديد من المراسلين الدوليين من الحصول على اعتمادات رسمية، مما زاد من تقييد التغطية الإعلامية المستقلة. يتجلى انكماش مساحة الصحافة التونسية أيضاً في التحول الذي طرأ على البرامج التلفزيونية والإذاعية وطبيعة النقاش السياسي المتاح للجمهور. ففي السنوات التي أعقبت ثورة 2011، كانت السخرية السياسية جزءاً مألوفاً من المشهد الإعلامي، وكان الرؤساء وكبار المسؤولين مادة للبرامج الساخرة والكوميدية، فيما اتسع النقاش العام ليشمل انتقادات حادة غير مألوفة في باقي بلدان المنطقة. لكن بعد ذلك اختفت البرامج السياسية، وتلك التي تتضمن انتقادات من العديد من المحطات الإذاعية الخاصة. وتقول النقابة إن الإعلام الرسمي بات يهمش الأصوات المعارضة بشكل متزايد، وإن كانت وكالة الأنباء الرسمية تظل استثناء؛ إذ تواصل تغطية الاحتجاجات وأنشطة المعارضة، ومبادرات المجتمع المدني. لكن نقابة الصحافيين التونسيين تقول إن «الإعلام العمومي تحول إلى بوق للدعاية السياسية، وإن الأصوات المعارضة والمجتمع المدني أُقصيت من برامجه». في منزل الصحافي المسجون زياد الهاني، تبدو الكلفة الإنسانية كبيرة أيضاً، حيث يقضي الهاني عقوبة السجن لمدة عام بعد إدانته في مايو (أيار) بتهمة الإساءة للغير عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في أحدث خطوة يقول معارضون إنها تهدف لإخماد الأصوات القوية والناقدة. وتحدثت زوجته ثريا الزواري عن غيابه، والضغط النفسي الذي يثقل الأسرة، والصعوبة التي تواجهها بناته في تقبّل فكرة أن والدهم يقبع خلف القضبان. في بيت الهاني، لا يبدو السجن حكماً يطال شخصاً واحداً فحسب، بل محنة تمتد إلى أفراد عائلته، وتعيد تشكيل تفاصيل حياتهم اليومية. تقول الزوجة: «لا نستطيع تقبل فكرة أن زياد في السجن». لكن رغم ذلك تُظهر العائلة إصراراً كبيراً على اتباع نهج زياد في التشبث بالكلمة الحرة، والموقف القوي.
المصدر: الشرق الأوسط