أزمة ثقة مع دي ميستورا: هل يجري التمهيد لتغيير قواعد تسوية القضية الصحراوية؟

لم يعد الخلاف حول الصحراء الغربية محصوراً في طبيعة الحل السياسي المطروح، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمن يحدد إطار المفاوضات، ومن يضمن ألا تتحول الوساطة الأممية إلى أداة لتمرير تصور أحد أطراف النزاع على حساب الطرف الآخر.
في هذا السياق، يمكن قراءة بيان جبهة البوليساريو الصادر في نيويورك يوم 12 أكتوبر 2026، عقب المشاورات المغلقة التي عقدها مجلس الأمن بشأن بعثة المينورسو في 8 أكتوبر، باعتباره أكثر من مجرد احتجاج دبلوماسي على تصريحات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا. إنه اعتراض على مسار سياسي يخشى أن ينتهي بتغيير قواعد التفاوض ومرجعياته قبل التوصل إلى اتفاق بشأن الحل نفسه.
جوهر الاعتراض الصحراوي يتمثل في ما تعتبره الجبهة تأييداً من دي ميستورا للحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً للمناقشات المستقبلية، وهو ما رأت فيه انحيازاً إلى موقف الرباط وإخلالاً بمبدأ الحياد الذي يفترض أن يحكم مهمة الوسيط الأممي.
فهناك فرق جوهري بين طرح الحكم الذاتي باعتباره مقترحاً قابلاً للنقاش ضمن عملية سياسية مفتوحة، وبين اعتماده نقطة انطلاق إلزامية يتعين على الطرف الآخر التفاوض في حدودها. وهنا تبرز المعضلة الحقيقية: إذا شعر أحد الأطراف بأن نتيجة المفاوضات يجري رسمها قبل انطلاقها، فما الذي يبقى من الثقة في الوسيط، وما الذي يضمن جدوى استمرار العملية السياسية؟
ولا يمكن فصل هذا التطور عن السياق الأوسع للتحركات الأمريكية الرامية إلى وضع مقترح الحكم الذاتي المغربي في مركز المسار السياسي. فالنفوذ الأمريكي داخل مجلس الأمن، وقدرة واشنطن على التأثير في مواقف الدول، يمنحان هذا التوجه ثقلاً سياسياً لا يمكن تجاهله. غير أن امتلاك النفوذ لا يعني امتلاك القدرة على فرض تسوية تحظى بقبول جميع الأطراف.
وهنا تكمن المفارقة التي تواجه واشنطن: تستطيع الضغط من أجل جعل الحكم الذاتي محوراً للمفاوضات، لكنها لا تستطيع ضمان قبول الطرف الصحراوي بالنتيجة التي يراد الوصول إليها لمجرد أنها تحظى بدعمها.
فإن نجاح الدبلوماسية لا يقاس بمدى قدرتها على تضييق الخيارات أمام أحد الأطراف، بل بقدرتها على إيجاد صيغة تستند إلى المرجعية الدولية ذات الصلة وتحظى بقبول الأطراف المعنية.
ويكتسب توقيت بيان البوليساريو أهمية خاصة مع اقتراب موعد تجديد ولاية بعثة المينورسو في 31 أكتوبر 2026، وسط تحركات دبلوماسية متصاعدة للتأثير في صياغة القرار المقبل وتحديد اتجاه العملية السياسية.
في هذا الظرف، تبدو رسالة البوليساريو موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن، ومفادها أن أي مسار تفاوضي جديد لا ينبغي أن يقوم على تغيير المرجعيات أو فرض أرضية سياسية مسبقة قبل التوصل إلى اتفاق بشأن الحل. كما أن استحضار الجبهة لرسالتيها المؤرختين في 4 مارس و21 سبتمبر 2026 يؤكد أن اعتراضها، وفق ما جاء في بيانها، ليس وليد المشاورات الأخيرة، بل يأتي ضمن مسعى متواصل للضغط من أجل ضمان التزام المبعوث الشخصي بحدود مهمته ومبادئ الحياد والاستقلالية.
فالبيان حذّر من أن استمرار ما تعتبره الجبهة خروجاً عن مبادئ الحياد والاستقلالية قد يدفعها إلى مراجعة انخراطها معه، في حين جددت التزامها بالتعاون مع جهود الأمين العام الرامية إلى استكمال مسار تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية.
إن ما يجري في نيويورك يتجاوز مسألة تجديد ولاية المينورسو؛ فهو اختبار لطبيعة العملية السياسية ومستقبلها. فهل سيظل مجلس الأمن متمسكاً بهدف التوصل إلى حل مقبول من الطرفين، يضمن للشعب الصحراوي ممارسة حقه في تقرير المصير، أم ستتجه الضغوط السياسية نحو جعل الحكم الذاتي الإطار الذي تُقاس داخله جميع الخيارات الأخرى؟
لا يمكن افتراض أن نتيجة هذا الاختبار محسومة سلفاً. فالموقف الأمريكي قد يؤثر بقوة في اتجاه النقاش، لكنه لا يضمن وحده إنتاج اتفاق سياسي مستدام، كما أن الخلاف حول حياد الوسيط لا يعني بالضرورة انهيار المسار الأممي. غير أن الرسالة الأهم في بيان البوليساريو تتمثل في أن أزمة الصحراء الغربية لم تعد تتعلق فقط بالتنافس بين مقترحات الحل، بل أصبحت تتصل أيضاً بمن يملك حق تحديد شروط التفاوض وحدوده.
فإذا تحولت الوساطة إلى مسار يراد منه دفع أحد الأطراف إلى قبول نتيجة سبق تحديدها، فإن المشكلة لن تكون في رفض ذلك الطرف وحده، بل في مصداقية العملية التي يُطلب منه المشاركة فيها. وعليه، فإن الاختبار الحقيقي لمجلس الأمن في أكتوبر لن يقتصر على صياغة قرار جديد بشأن المينورسو، بل سيمتد إلى مدى قدرته على منع تحول النفوذ السياسي للدول الكبرى إلى بديل عن التوافق، وضمان ألا يُختزل حق تقرير المصير في مجرد بند تفاوضي يمكن تجاوزه أو إفراغه من مضمونه.
فالحل الذي لا يستطيع الصمود إلا تحت ضغط القوى الكبرى قد يحقق مكسباً دبلوماسياً مؤقتاً، لكنه لا يضمن سلاماً دائماً. أما التسوية التي تعالج جوهر النزاع، وتحترم المرجعية الدولية، وتحظى بقبول الأطراف المعنية، فهي وحدها القادرة على تحويل المفاوضات من مجرد آلية لإدارة الأزمة إلى طريق فعلي نحو حلها.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post أزمة ثقة مع دي ميستورا: هل يجري التمهيد لتغيير قواعد تسوية القضية الصحراوية؟ appeared first on الشروق أونلاين.
المصدر: الشروق