شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

ملاحدة مُتّقون!

ملاحدة مُتّقون!

في سنوات مضت، كانت القنوات العلمانية اللاهثة خلف الإثارة، لا تفتأ تستضيف بعض العلمانيين المتطرّفين وبعض المتشبّعين بالفكر الإلحادي، المتستّرين خلف “حرية الفكر” والدّعوة إلى إعادة النّظر في النّصوص الدّينيّة؛ ليخوضوا معارك آثمة ضدّ كلّ ما له علاقة بالدّين؛ تتناغم في توقيتها ووسائلها مع المشروع الغربيّ الذي يحمل ذات العناوين ويجري فرضه على دول المسلمين التي صدرت لها الأوامر السامية لفتح الفضاء الإعلاميّ العامّ والخاصّ أمام أدعياء التّنوير لكسر الطّابوهات والتّشكيك في المسلّمات! هذا ما كانت عليه الحال في سنوات مضت، لكنّ ميدان اللّعب تغيّر بعض الشّيء في السّنوات الأخيرة، تماشيا مع انحسار دور القنوات التلفازية لصالح قنوات الإنترنت ومواقع التواصل، حيث بدأت تظهر لرواد المواقع إشهارات ومنشورات تغري بمتابعة برامج علمانية تتمتّع بترويج واسع ودعم إشهاريّ مريب، تشرف على كثير منها مؤسّسات معروفة بتوجّهها العلماني وحتى الإلحاديّ المتستّر، تعرض على هيئة “بودكاست” مع ضيوف يتمّ اختيارهم بعناية لمناقشة مسائل وقضايا تتعلّق بمسلّمات الدّين ومصادره…. ضيوف يذهبون بعيدا في الجرأة على الدّين ومصادره ورموزه؛ فلا يقفون عند حدّ انتقاد واقع المسلمين أو حتى محاكمة بعض الأفهام والتطبيقات الخاطئة لنصوص الدّين، حتى يبلغ الأمر ببعضهم إلى حدّ الدّعوة إلى الحجر على النصّ الدينيّ! وأطلق بعضهم العنان لحناجرهم بالسّخرية من بعض الأحكام المرتبطة بنصوصٍ يرون أنّها أصبحت من الماضي البائد! ولم يفتهم الاستهزاء -كعادة بني فكرهم- ببعض الشّخصيات الإسلاميّة، لزيادة الإثارة، واستقطاب مزيد من الاهتمام لدى الدوائر الغربية! لقد كان في الإمكان مناقشة هؤلاء الملاحدة المتّقين -من التقية- في دعاواهم وكشف جهلهم بأسباب نزول الآيات وأسباب ورود النّصوص الشّرعيّة، ومظانّ تطبيقها، لو كان هناك أساس مشترك يمكن التّحاكم إليه؛ فهم لا يرفعون رأسا للعلوم المرتبطة بـ”الكتاب والسنّة”، ولا للإجماع، بل وتسوّل لهم أنفسهم الدّعوة ليس فقط إلى تصحيح فهم المسلمين للإسلام ولكن إلى إصلاح الإسلام نفسه! حتى الفطرة السوية والأصول العقلية المرْضية، فهم كثيرا ما يتنكّرون لها، متذرّعين بشعارات الحرية الشخصية وحرية الفكر وضرورة التخلّي عن المقدّس، ويرون أنّ كلّ ما يختلج الإنسان في داخله هو “فكر” من حقّه أن يجهر به ويدافع عنه مهما كان مخالفا لمحكمات الشّرع ولما تقرّه العقول السوية، ولا يؤمنون بوجود شيء اسمه “الهوى” ينبعث من دغائل النّفس البشرية المتلطّخة بالنّوازع الأرضية والمتشبّثة بـ”الأنا” وبكلّ ما هو عاجل وميسور والمتطلّعة إلى التمرّد على كلّ قيد لا تدرك قيمته وأهميته، ولا يسلّمون بأنّ هذا “الهوى” يمكن أن يطغى على العقل ويؤثّر فيه بل ويتحكّم في نِتاجه، فيصبح الإنسان يتكلّم بنزغات نفسه وأهوائها وشهواتها وهو يظنّ أنّه يتكلّم بعقله! أحد هؤلاء المجترئين، يشنّع على العلماء والدّعاة “المتخلّفين” إصرارَهم على التمسّك بتحريم الزّنا في هذا الزّمان الذي أصبح فيه منع الحمل متيسّرا وترقيع “الغشاء” عملية بسيطة! وكأنّ تحريم الزّنا هو فقط لمنع اختلاط الأنساب والحفاظ على الغشاء! ربّما يكون من حقّهم علينا ألاّ نلومهم على مثل هذا الانحطاط الذي يسمّونه “فكرا”، لأنّهم لا يرفعون رأسا للعفّة والإباء والطّهارة والنّقاء! ما يدركه هؤلاء المجترئون، يقينا، أنّ دعواتهم تصطدم مع فطرة المسلمين، ومع فطرة النّاس عامّة، لذلك فغالب اعتمادهم ليس على الوعي والبحث، بقدر ما هو على الدّعم الذي تغدق به عليهم خوارزميات مواقع التواصل، وعلى “الصّدمة” التي يمكن أن تحدثها جرأتهم لدى المتلقّي، والتي تكون نتيجتها إسقاط هيبة الدّين في النّفوس، ومِن ثمّ قلة الاكتراث لما يتعرّض له من هجمات آثمة! ما نتمنّاه لهؤلاء المجترئين، هو أن تكون لهم الشّجاعة ليلقوا أقنعة التقية، ويكشفوا أوراقهم كلّها ويجهروا بمعتقدهم في “الخالق” وفي “الرّسالة” بكلّ صراحة، ونحن لا نشكّ في أنّه معتقد “إلحاديّ” تشي به عباراتهم وكلماتهم؛ ونتمنّى لهم أن يعلنوه بألسنتهم، حتى تمكن مناقشهم فيما يجب البدء به، في وجود الخالق، وفي صدقية الرسالة المحمّدية. لأنّ كلّ مناقشة أخرى تنبني على عدم تعويم هذين الأصلين، يمكن للطّرف الآخر أن يلعب فيها على أكثر من حبل، ويمارس هوايته في المراوغة والنطّ من ساحة إلى أخرى!

المصدر: الشروق