سبتة و مليلية بين الرواية الإسبانية و الرواية المغربية
عاد التجاذبالدبلوماسي بين المخزن و إسبانياليطفو على السطح من جديد بسبب سبتة و مليلية ، و انتقل المخزن إلى السرعة القصوى بعد حدث مهم و هو زيارة ملك إسبانيا فليب السادس إلى سبتة و مليلية .. و هو الحدث الذي يحمل بالنسبة لإسبانيا و المخزن دلالات متباينة و متناقضة ، فهو بالنسبة لإسبانيا تأكيد على أن المدينتين جزء لا يتجزأ من المملكة الإسبانية ، و هو بالنسبة للمخزن محاولة إسبانيةلتجاهل التاريخ و الجغرافيا اللذين يثبتان مغربية المدينتين منذ قرون. و في خضم هذا التجاذب الدبلوماسي بعد سكوت مطبق من نظام المخزن تغليبا لما سماه المصلحة المشتركة بين البلدين و حفاظا -كما يزعم- على علاقاته المتينة مع إسبانيا كشريك سياسي و اقتصادي لا غنى عنه. في خضم هذا التجاذب الدبلوماسيبين مدريد و نظام المخزن ، آثرت استقراء الوثائق التاريخية بكل حيادية إذ ليس لي في التجاذب الحاصل ناقة و لا جملفكل ما أرومه هو الوقوف على الحقيقة و كشف القناع عن الازدواجية التي يتعامل بها نظام المخزن مع قضية سبتة و مليلية من جهة ، و قضية الصحراء الغربية من جهة أخرى ، فهو بالنسبة لسبتة و مليلية عاجز عن تقديم رواية تاريخية قوية و لا يزال يدور في حلقة مفرغة ، في حين يكثر من الضجيج و التهريج حول الصحراء الغربية ، و يتجاهل النداءات الأممية الداعية إلى تصفية الاستعمار و الاعتراف بمبدأ تقرير المصير للشعب الصحراوي و باستقلال الصحراء الغربية. بنيت سبتة على أنقاض مستعمرة فينيقية قديمة تدعى ” إبيلا”” ، و تناوب على حكمها القرطاجيون و الرومان و الأندلسيون و حكام المغرب ، و كانت منطلقا لجيش طارق بن زياد لفتح الأندلس. لا يهمنا الرجوع إلى الوراء كثيرا و نبدأ قصة مدينة سبتة من زمن طارق بن زياد الذي انطلق منها لفتح الأندلس ، قائدا في جيش والي إفريقية موسى بن نصير في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ، و الذي حررها من جور حكام الغوط الغربيين ، فإن تكون هناك منة لأحد على سبتة فإن طارق بن زياد هو أحق بها و أهلها قبل ميلاد الممالك التي حكمت المغرب إلى الآن . ولى عهد طارق بن زياد و وولت المالك التي حكمت سبتة و آل حكمها في النهاية إلى الإسبان الذين بسطوا نفوذهم عليها باعتبارها مدينة إسبانية منشأ و تاريخا حسب الرواية الإسبانية التي سيأتي تفصيلها في هذا المقال. و هي الرواية التي يرفضها نظام المخزن و يعدها شكلا من أشكال السطو التاريخي غير المبرر و محوا لمعالم المدينة المغربية التي تعد جيبا جغرافيا مهما لا ينفصل عن التراب المغربي. أما مليلية ، فيمتد تاريخها لأكثر من 2700 سنة ، و قد مرت بمحطات تاريخية مختلفة ، حيث كانت في الألفية الأولى قبل الميلاد مدينة فينيقية تحت اسم ” روسادير ” التي تعني ” الرأس العظيم” ، و اتخذ منها الفينيقيون مركزا تجاريا استيرا تيجا ، ثم حكمها القرطاجيون و الرومان ، ثم سيطر عليها القوط الغربيون و البيزنطيون و دخلت في الحكم الإسلامي سنة 700 م بعد الفتوحات الإسلامية التي قادها موسى بن نصير و دخلت تباعا في حكم الأدارسة و غيرهم. ثم سقطت في يد التاج الإسباني في 17 سبتمبر 1497م على يد الأسطول الإسباني بيدرو دي إستوبينان بتفويض من الملوك الكاثوليك الذي لم يواجه مقاومة تذكر بسبب الخلافات الداخلية بين سلاطين فاس. و كانت هناك محاولات مغربية لاسترداد المدينة و من ذلك ما قام به السلطان مولاي محمد بن عبد الله ( 1774/1775) لكنهاباءتبالفشل و ظلت مليلية تحت السيطرة الإسبانية تم رسمت حدود المدينة عبر معاهدات بين إسبانيا و المغرب سنوات 1859 /1861 و سنة 1894 عقب حرب الريف التي شهدت فيها مدينة مليلية أحداثا كبرى مثل معركة أنوال الشهيرة بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي . و في العصر الحديث ، تتمتع مدينة مليلية بالحكم الذاتي منذ 14 مارس 1995 ، حيث انفصلت إداريا عن مقاطعة ملغة ، و يطالب المغرب باسترجاع السيادة على مدينة مليلية و أختها سبتة و الجزر المجاورة لها و يعتبرها أرضا مغربية محتلة. تظهر الوثائق التاريخية تضاربا بين الرواية الإسبانية و الرواية المغربية حول سبتة و مليلية ، حيث تذهب الرواية الإسبانية إلى أن سبتة وقعت تحت الاحتلال البرتغالي عام 1415م ، و عندما اتحد التاجان الإسباني و البرتغالي ، عام 1580م في عهد الملك فيليب الثاني ، انتقلت سبتة إلى السيادة الإسبانية و عندما استقلت البرتغال عن إسبانيا عام 1640م ، اختارت سبتة البقاء تحت مظلة التاج الإسباني ، و تضيف الرواية الإسبانية أن سبتة إسبانية و لم تكن يوما تابعة للمغرب، و قد ثبتت معاهدة لشبونة عام 1668م هذا الوضع . و ينص الدستور الإسباني على أن سبتة و مليلية هي مدن سيادة تتبعان الأراضي الإسبانية منذ قرون مما ينفي أي صلة لهما بالمملكة المغربية التي نشأت فيما بعد مما يمنح إسبانيا أحقية تاريخية على المدينتين. تستند الرواية المغربية على عنصر التبعية التاريخية و الإسلامية ، حيث شكلت سبتة و مليلية جزءا من المجال الجغرافي و الحضاري و السياسي لبلاد المغرب ، و تستند الرواية المغربية أيضا على المحاولات المستمرة لاسترجاعهما على يد السلطان إسماعيل بن الشريف الذي حاصر مدينة سبتة عام 1693م و سعي السلطان محمد بن عبد الله بين عامي 1770 و 1774 م دخولها دون أن يكشف المؤرخون المغاربة عما حدث فيما بعد و هو فشل كل هذه المحاولات و بقاء المدينتين تحت السيادة الإسبانية. و منذ استقلال المغرب في 2 مارس 1956 إلى الوقت الراهن ، يتمسك نظام المخزن بموقفه من سبتة و مليلية و اعتبارهما مدينتين مغربيتين محتلتين بالإضافة إلى جزر إشفارن ، و يستند المخزن في هذا على وثائق تعود لعام 1975 تؤكد من خلالها –كما يقول-حقه في استرجاع السيادة المغربية على سبتة و مليلية و هي الوثائق التي تقدم بها المخزن إلى الأمم المتحدة من أجل افتكاك قرار أممي ، لكن لحد الآن لم يحدث ذلك و بقيت قضية سبتة و مليلية تراوح مكانها. هل يملك نظام المخزن استرجاع سبتة و مليلية؟: لا يبدو بناء على المعطيات الجيوسياسية أن نظام المخزن باستطاعته استرجاع سبتة و مليلية ، و ذلك لعدة أسباب منها أن إسبانيا بغض النظر عن تعاقب الحكومات ليست مستعدة لتقديم تنازلات أو الاستجابة للطلبات المغربية بهذا الشأن لأنها تعتبر قضية سبتة و مليلية قضية سيادة ترابية و قضية منتهية و محسومة لا تقبل أي مراجعات أو مفاوضات . و منها أيضا أن الحجج التي يستند عليها نظام المخزن ليست بالقوة و الرصانة التي تمكنها من التفاوض بشأن سبتة و مليلية ، و منها أيضا أن الأمم المتحدة غير قادرة على فض النزاع الإسباني المغربي بخصوص سبتة و مليلية و أنها تفضل لجوء الدولتين إلى الحلول الودية و هي حلول غير واردة و غير ممكنة بأي شكل من الأشكال ، و منها أيضا أن الاحتلال المغربي للصحراء الغربية يضعف موقفه في المطالبة بسبتة و مليلية فالمحتل لا يجوز له المطالبة بإنهاء الاحتلال ، و منها أيضا استحالة حصول المغرب علىالتأييد الدولي لمطالبه باسترجاع سبتة و مليلية إلا من دائرته الضيقة المرتبطة بالتطبيع و بما يسمى اتفاقات أبراهام ، و منها أيضا أن نظام المخزن قد تنازل ضمنيا عن المطالبة بسبتة و مليلية بقبوله نقطة جمارك ، و كون المدينتين قد أصبحتا نقطة جمركية فهذا يعني أن المغرب قد قبل بالوضع القائم و أن المغاربة المتاخمين لسبتة و مليلية و خاصة ساكنة تطوان قد أصبحوا ملزمينبالحصول على تأشيرة من الهيئات القنصلية الإسبانية للدخول إلى سبتة و مليلية، فماذا بقي لنظام المغرب بعد هذا من ورقة يعتمد عليها في المطالبة بسبتة و مليلية و هو نفسه الذي ينفض يديه تدريجيا من هذه القضية لقناعته بأن استرجاع المدينتين أمر صعب للغاية بل مستحيل في ظل موازين القوة الحالية. نظام المخزن و محاولة مقايضة الصحراء الغربية بسبتة و مليلية: يحاول نظام المخزن تحقيق هذه المقايضة بطرق مختلفة ، أولها استخدام ملف الهجرة غير الشرعية و اتخاذه أداة للضغط على الحكومة الإسبانية من أجل تحقيق مآرب دبلوماسية و انتزاع اعتراف مدريد بسيادته على الصحراء الغربية أو ما يسمى في السردية المخزنية ” الأقاليم الجنوبية”. و يندرج الزحف البشري على سبتة ضمنمحاولات نظام المخزنإغراق إسبانيا بسيل بشري من المهاجرين غير الشرعيين من أجل حملها بطريقة أو بأخرى على إبداء ليونة فيما يتعلق بملف الصحراء الغربية ، و لكن مآلات هذه المحاولة لم تكن في صالح نظام المخزن إذ استطاعت إسبانيا التحكم في الوضع و القبض على المتسللين و تقديمهم للمحاكمة و الحصول على تأييد من الاتحاد الأوروبي الذي أبدى وقوفه إلى جانب إسبانيا و عمل على تشديد الإجراءات و تضييق الخناق على المهاجرين غير الشرعيين و إرجاعهم بكل الطرق القانونية إلى المغرب.و ثانيها ، ما ذهب إليه محللون بأن المغرب يتجنب الدخول في مواجهة عسكرية مع إسبانيا حول سبتة و مليلية و يفضل غير ذات الشوكة و هي انتهاج الحل الدبلوماسي الذي يتجلى في افتكاك اعتراف إسباني بالحكم الذاتي في الصحراء الغربية مقابل التنازل عن سبتة و مليلية أو إرجاء أمرهما إلى حين. إن قضية الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار بحسب موقف الأمم المتحدة و هذا يحول حتى في حالة نجاح المقابضة المزعومة دون حصول نظام المخزن على ما يريد . إن نظام المخزن يواجه فشلا مزدوجا ، فشلا في ملف سبتة و مليلية ، و فشلا في ملف الصحراء الغربية و لن يحصل في النهاية على شيىء. سانشيز : فرط في سبتة و مليلية و ووقع في حبال نظام المخزن: لقد أثار الموقف السياسي لرئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، تجاه المغرب والمدينتين التابعتين للسيادة الإسبانية سبتة ومليلية، جدلا واسعا وانتقادات حادة من قِبل المعارضة الإسبانية وبعض الأوساط السياسية والإعلامية التي اعتبرت خطه الدبلوماسي تراجعا أمام الرباط. و تتهم المعارضة الإسبانية سانشيز بعدم الحزم في انتزاع اعتراف رسمي ومكتوب من المغرب بالسيادة الإسبانية المطلقة للمدينتين، خاصة مع استمرار إغلاق الجمارك التجارية في مليلية وتأخر فتحها في سبتة، وهو ما تراه الأوساط المنتقدة خنقا اقتصاديا للمدينتين و ضغطا مستمرا من الرباط. وقع بيدرو سانشيز في حبال نظام المخزن و عرض نفسه و حكومته لعزلة أوروبية بسبب تذبذب مواقفه التي أدرجها بعض المحللين في خانة النفاق السياسي الذي جعل سانشيز يفقد مصداقيته في الداخل و الخارج و يواجه ضغوطات لا يحسد عليها ، و حسبنا أن نقول له : ” يداك أوكتا و فوك نفخ”.
المصدر: الشروق