التويزي .. ثلاثة عقود من السياسة تقود ابن حقول آيت أورير إلى رئاسة النواب
من آيت أورير، إحدى بلدات إقليم الحوز، حيث الهامش والبعد عن المركز يصعّبان الوصول إلى المناصب، ومن الاشتغال في الفلاحة وتحمل مسؤولية أسرة كبيرة في سن مبكرة، تشكلت البدايات الأولى لشخصية سياسية تنقلت بين المسؤوليات لتتقلد اليوم منصبا كبيرا في الدولة: رئيس مجلس النواب.
أحمد التويزي، ابن آيت أورير الذي ترعرع وسط هذه البلدة الواقعة بضواحي مراكش، لم يجد الطريق مفروشا أمامه، إذ ظل يتلمس معنى المسؤولية منذ الصغر، إلى أن صار، بعد انتخابه أمس الثلاثاء رئيسا لمجلس النواب باسم حزب الأصالة والمعاصرة، الرجل الثالث في هرم الدولة بروتوكوليا.
نشأة التويزي
نشأ أحمد التويزي في جماعة آيت أورير، حيث ظل يجمع بين التعلم ومساعدة والده في الزراعة، ما جعله مرتبطا منذ بداياته بأرض هذه المنطقة بإقليم الحوز. ومنذ نشأته، كان الرجل يتحمل المسؤولية داخل أسرته، خصوصا بعد وفاة والده، إذ صار المعيل الوحيد لإخوته الثمانية و”رب الأسرة” الذي يضحي من أجلهم.
لم يكن الطريق إلى المدرسة أقل مشقة من الطريق إلى الحقل الذي كان يساعد فيه والده. ففي مرحلة التعليم الإعدادي، كان يتنقل من آيت أورير إلى إعدادية سيدي رحال، قبل أن يواصل دراسته بثانوية الحسن الثاني بمراكش.
خلال هذه الفترة، بدأت تتشكل ملامح شخصية ستجد نفسها لاحقا في فضاءات أوسع من مدينتها الصغيرة، وفي مواقع تتطلب تدبير الاختلاف وتحمل أعباء المسؤولية، فالرجل، حتى داخل المؤسسة التعليمية الموجودة بحي جليز، لم يكن مجرد تلميذ ينتظر نهاية اليوم الدراسي، إذ اضطلع بمسؤولية التلاميذ بالقسم الداخلي، وهي تجربة وضعته أمام تحديات التنظيم والتواصل والتعامل مع الآخرين.
بدا التويزي في هذه المرحلة، وهو يحتك بالتلاميذ من مختلف المناطق بالقسم الداخلي لثانوية الحسن الثاني، رجلا قادرا على التسيير، لتبدأ ملامح مسؤول يمكن أن يساهم مستقبلا في تدبير الشأن المحلي والعام في التشكل.
لاحقا، وأسوة بجيله، اختار ابن آيت أورير الالتحاق بقطاع التربية الوطنية الذي كان يشكل قبلة للكثير من الشباب، خصوصا المتأثرين بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حيث بدأ مساره المهني أستاذا للعلوم الطبيعية.
من هنا، بدأت قصة الرجل في العمل السياسي، إذ وجد نفسه بمعية الكثير من رفاق الدرب والمدرسة ينخرط في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وهو الذي كان يؤطر زملاءه التلاميذ بالقسم الداخلي لثانوية الحسن الثاني.
من الجماعة إلى البرلمان
كانت انطلاقة أحمد التويزي في تدبير الشأن المحلي وولوج السياسة من جماعة آيت أورير، فالرجل كان يدرك أن البدء من القاعدة يمكن أن يقود يوما ما إلى أعلى المستويات. بدأ التويزي احتكاكه المباشر بالمواطنين في تدبير الشأن المحلي بهذه الجماعة سنة 1992، إذ انطلقت تجربته السياسية منها، لتبدأ معها فصول من الاختبارات في اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية وإدارتها والتجاوب مع احتياجات الساكنة وانتظارات المواطنين.
ظل الرجل على رأس الجماعة، فاتحا فصلا طويلا من الاشتغال في تدبير الشأن العام، وظل في هذه الجماعة يختبر قدرته على اتخاذ القرارات والتعامل مع تفاصيل الحياة المحلية بجماعة آيت أورير، ذات الانتظارات الكبيرة للنهوض بتنميتها.
استمر التويزي في قيادة هذه الجماعة بالحوز تحت لواء الاتحاد الدستوري، ليجرب الترشح للاستحقاقات التشريعية ويحصل على مقعده النيابي سنة 1993، ثم انتقل بعد ذلك إلى مجلس المستشارين الذي شغل عضويته لولايات عدة، غير أن نشأة حركة لكل الديمقراطيين سنة 2007 بدأت تغري أستاذ العلوم الطبيعية بتغيير الوجهة، مباشرة بعد تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008.
التحق الرجل بالحزب الذي وصفه الخصوم السياسيون بـ”الوافد الجديد”، ليبدأ التدرج فيه شيئا فشيئا، ونال عبره رئاسة الجماعة ومقعدا برلمانيا، إلى جانب شغله منصب المنسق الإقليمي لحزب الأصالة والمعاصرة بالحوز.
ومع حصوله على هذا المنصب، بدأ إشعاع الرجل على مستوى جهة مراكش آسفي يزداد، وصار اسمه معروفا أكثر، لتفتح له السياسة أبوابها ويصير بعد ذلك منسقا جهويا للحزب الذي انطلق من الرحامنة سنة 2011، ثم رئيسا لمجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز سنة 2012.
وفي شهادة عبد الكريم لهنا، نائب رئيس مجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز سابقا، التي صارت تحمل اسم “جهة مراكش آسفي”، تتضح بعض ملامح التويزي كما بدت لشخص اشتغل معه عن قرب.
يؤكد لهنا، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أنه تعرف عليه داخل الجهة خلال فترة رئاسته للمجلس، واصفا إياه بأنه شخصية قوية، ورجل يتسم بالمعقول والتواضع، ويجيد التسيير والاستماع إلى آراء الآخرين.
وبحسب لهنا، رفيق درب التويزي، فإن القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة يمتاز في تدبيره وتسييره بالاستماع والتشاور، موردا، في تعبير عن ثقته في المسار الذي قطعه، أن الوصول إلى هذا المستوى لم يكن ليحدث لولا ما لمسه فيه من مؤهلات لتدبير مؤسسة ترابية من حجم مجلس الجهة.
العائلة.. وجه آخر للمسؤولية
خلف صورة المسؤول الذي يتنقل بين الاجتماعات والالتزامات الحزبية والبرلمانية، ثمة أب وزوج وأخ، وثمة حياة عائلية لها حساباتها الخاصة، لا سيما حين يصبح الوقت موزعا بين البيت ومواعيد العمل العام.
في شهادة ابنه مروان، تبدو صورة أحمد التويزي داخل الأسرة مختلفة في تفاصيلها، لكنها متصلة بالمعنى نفسه الذي رافق مساره المهني: المسؤولية، فبالرغم من الانشغالات والتنقلات التي فرضها العمل السياسي، ظل حضوره داخل البيت ملموسا، وكان حريصا على مواكبة أبنائه ومتابعة مسارهم الدراسي والتربوي.
ويحكي مروان، ضمن تصريحه لجريدة هسبريس الإلكترونية، في شهادة تضيء جانبا لا يظهر عادة في الصور الرسمية، أن والده كان له حضور ووقع داخل الأسرة، وأن انشغالاته لم تمنعه من مواكبة أبنائه. وفي هذه المعادلة، كان لزوجته، الأستاذة بجامعة القاضي عياض، دور مهم في تربية الأبناء ومتابعة تفاصيل حياتهم اليومية، خصوصا في ظل تنقلاته المستمرة بحكم مسؤولياته السياسية، حيث إن الابن اليوم خريج مدرسة عليا للتجارة بفرنسا، فيما تعمل ابنته مهندسة في شركة بفرنسا.
عاد بنا الابن مروان إلى فترة زمنية مهمة من حياة والده أحمد التويزي، فالرجل الذي ينتمي إلى أسرة كبيرة تضم ثمانية إخوة كان، بحسبه، بمثابة الأب لإخوته، في علاقة تتجاوز رابطة الأخوة إلى تحمل أعباء الرعاية والمسؤولية.
ويؤكد نجل التويزي أن والده، الذي خبر العمل الجماعي والبرلماني طوال ثلاثة عقود، والذي كان قريبا من عائلته الصغيرة وساكنة آيت أورير خاصة والحوز عامة، قادر على النجاح في تدبير هذه المهمة الجديدة، مشيرا إلى أن وصوله إلى هذا الموقع هو امتداد لمسار طويل، لا حدث منفصل عن بقية حياته.
من آيت أورير إلى رئاسة مجلس النواب، تتشكل إذن حكاية رجل عبر محطات متعددة، وراكم خبرة في تدبير الشأن العام على امتداد عقود. حكاية تذكر بأن الانتماء إلى منطقة بعيدة عن مراكز القرار لا يمنع، في حد ذاته، الوصول إلى أعلى المسؤوليات، متى توافرت مسارات المشاركة والتمثيل والتدرج داخل المؤسسات.
رئاسة مجلس النواب تفتح اليوم أمام التويزي فصلا مختلفا، فالرجل الذي عرف تفاصيل الجماعة والجهة، واشتغل داخل مجلسي البرلمان، يجد نفسه أمام مسؤولية تدبير واحدة من أهم المؤسسات الدستورية في البلاد.
ولعل التويزي، الذي خبر المؤسسة التشريعية بغرفتيها، يضع نصب عينيه كيفية إدارة الاختلاف داخل البرلمان والإسهام في تعزيز فعالية العمل التشريعي، بعدما تجاوز عقبات السنين ووصل إلى أحد أعلى المناصب في هرم الدولة.
وكان قد جرى انتخاب التويزي رئيسا لمجلس النواب يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، خلفا لرشيد الطالبي العلمي، حيث حصل على 220 صوتا مقابل 59 صوتا لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي، عن حزب العدالة والتنمية.
The post التويزي .. ثلاثة عقود من السياسة تقود ابن حقول آيت أورير إلى رئاسة النواب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس