وليد غلمية بعد 15 عاماً... النوتة نفسها والقراءة تختلف
عاماً على رحيل وليد غلمية ولا تزال موسيقاه تستحضر قضايا الهوية، والانتماء، والذاكرة، وفي صميمها مشروع بحثه عن صوت عربي في التأليف السمفوني. من قصر سرسق البيروتي، أعادت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بعضاً من مؤلَّفاته إلى آذان الجمهور، فشكَّلت الأمسية مناسبة لتكريمه، وإعادة اكتشاف أعمال كُتبت في زمن آخر، وقراءتها برؤية موسيقية جديدة. الحفل الذي نظَّمه المعهد الوطني العالي للموسيقى، برئاسة المؤلِّفة هبة القواس التي تعمل على تنشيط حضوره الفنّي، وتوسيع برامجه، افتتح الموسم الموسيقي 2026 - 2027، وأطلق «عام وليد غلمية»، تحيةً إلى المؤلِّف الذي ترك لمسته في تطوير الكونسرفتوار، وتأسيس الأوركسترات الوطنية اللبنانية. وتحت قيادة المايسترو هاروت فازليان، عزفت الأوركسترا الحركة الثالثة «حرّية» من السمفونية الرابعة «الشهيد»، والسمفونية السادسة «الفجر» بحركاتها الأربع. رسم حضور فازليان الملامح الفنّية للأمسية. ففي الأعمال الأوركسترالية، تبقى للنوتة سُلطتها، لكنّ المساحة التي يتحرّك فيها القائد تُتيح قراءات مختلفة للمؤلَّف الواحد، فحمل هذا الأداء شيئاً من شخصيته الموسيقية، بإضفائه على بعض العبارات كثافة تعبيرية، وكشفه عن تفاصيل أغنت القراءة، وعمَّقت أثرها. وقبل بدء العزف، قدَّم المايسترو شرحاً للمقطوعة، مُستحضراً صوراً ومعانيَ حرّكت الخيال، ومهَّدت لتلقّي الموسيقى. وجاءت الموسيقى برؤيته وقيادته لتمنح تلك الصوَر أبعاداً أخرى، وتقود المُستمع عبر تحوّلات العمل بين القوة والهدوء، فأظهرت ما يستطيع قائد الأوركسترا إضافته إلى المؤلَّفات من عمق، وتعبير. واستعاد فازليان في كلمته فضل غلمية في عودته من الاغتراب، متحدّثاً بامتنان عن الرجل الذي كان وراء تلك العودة قبل عقود، والذي لا تزال مؤلَّفاته تُرافقه إلى المسارح خارج لبنان. وهنا التقى مع هبة القواس في الوفاء لصاحب الأمسية، والاعتراف بجَميله. ترتبط موسيقى المُكرَّم بمشروع عمل عليه سنوات، ساعياً إلى الجمع بين التقاليد السمفونية الغربية والموروث الموسيقي العربي. ومن مرجعيون، حمل وليد غلمية بدايات معرفته بألحان الجنوب، ثم أغنى تجربته بالموسيقى البيزنطية، والألحان العربية، مستفيداً من هذه المصادر في سمفونياته الستّ. وتستند حركة «حرّية» إلى النغمات الخمس الأولى من لحن شعبي عراقي، فيما تتنقّل سمفونية «الفجر» بحركاتها الأربع بين أجواء من الشجن والرجاء. ومن هذا الجَمْع بين الموروث والتأليف السمفوني، تبلورت خصوصية مشروعه الموسيقي، بما فيه من خيارات فنّية، وطموح في التأليف. ومع ذلك تبقى القيمة الفنّية لهذه المؤلَّفات مرتبطة بما تُقدّمه للأذن، بعيداً عن المعاني التي تقترحها عناوينها. فالموسيقى تقول أحياناً أكثر مما تقوله الحكايات المُرتبطة بها، وتترك لكلّ مستمع أن يجد فيها ما يُلامسه. بذلك تبرز أهمية إعادة تقديم وليد غلمية ضمن برامج موسيقية مُنتظِمة، تتيح التعرُّف إلى أعماله، ومقاربتها نقدياً، خارج إطار الذكرى والاحتفاء. وأضفى قصر سرسق بعمارته وتاريخه أجواءً مختلفة على الأمسية. فالظلال المتدلّية على جدرانه وتفاصيله المعمارية منحتا الحاضرين متعة بصرية موازية للموسيقى، وكان جميلاً أن تنتقل العين بين الألوان، والوجوه، والآلات، وتجتمع العمارة والموسيقى في مشهد واحد، لكلّ منهما لغته، وسحره. ثم ألقت هبة القواس كلمة عن غلمية، تحدَّثت فيها بعاطفة عكست علاقة إنسانية وفنّية جمعتهما، وأعلنت خلالها إطلاق جائزة موسيقية تحمل اسمه. ولاحقاً غنَّت له، مستعيدةً بصوتها جانباً من تلك العلاقة، وقد أضفى أداؤها على التكريم دفئاً، وخصوصية، فهي مؤلِّفة، ومغنّية تعرف عالم غلمية الموسيقي من قرب. وبدت في الغناء أكثر قدرةً على التعبير عن مشاعرها، بعيداً عن الكلمات التي ازدحمت بها مداخلتها، خصوصاً أنّ الكلمة طالت أكثر ممّا ينبغي، فأبطأت إيقاع الأمسية، وقد أمكن اختصارها من دون أن تفقد شيئاً من عاطفتها، أو صدقها. وكان مؤثّراً أن تتولّى الأوركسترا التي أسهم غلمية في تأسيسها عزف مؤلَّفاته بعد 15 عاماً على رحيله. فالرجل الذي أمضى جانباً كبيراً من حياته في بناء حضور للموسيقى السمفونية في لبنان، تستعيده اليوم مؤسّسة تحمل كثيراً من جهده. ومع قراءة هاروت فازليان، استعادت مؤلَّفات غلمية ألقها على المسرح، مؤكّدةً أنّ مكان الموسيقى يبقى حيث يستمرّ عزفها. 15 عاماً فصلت وليد غلمية عن هذه الأمسية، لكنّ الزمن لم يكن وحده ما يفصل المؤلِّف عن موسيقاه. هناك دائماً احتمالات للتأويل بين ما أراد قوله وما تسمعه الأجيال اللاحقة، ومنها تولد معانٍ جديدة للعمل الفنّي، وربما أيضاً أسباب بقائه.
المصدر: الشرق الأوسط