شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

عقارات المتن ما بين القلق المشروع والغيتوات الخانقة

عقارات المتن ما بين القلق المشروع والغيتوات الخانقة

هل يكفي بيان لتبرئة المهندس رضا محمد جفّال من تهمة الاستثمار العقاري العمد، في مناطق ذات أكثرية مسيحية، وتحديداً في المتن الشمالي، لتغيير هوية المنطقة؟

وهل تكفي عملية شراء عقارات واسعة في منطقة المتن الشمالي التي تتمتع بموقع قريب، وجوّ جميل، لاتهام الشاري بعقد صفقات مشبوهة وهو المقيم فيها منذ عودته إلى لبنان، ربما هارباً من ضاحية بيروت الجنوبية، ومن "حزب الله" وناسه؟

في البيان الذي أصدره جفّال عقب الحملة عليه، قال:
"في ضوء التقارير الإعلامية والتعليقات المتداولة عن ملكيتي لعقارات في منطقة المتن، وما رافقها من اتهامات خطيرة، أجد من الضروريّ أن أوضح بعض الحقائق، وأن أتوجّه بكلمة صريحة إلى الرأي العام وإلى أهالي المنطقة الذين أكنّ لهم كل المودّة والاحترام.
أنا مهندس لبناني أمضيت ما يقارب ثلاثة عقود أعمل في الإنشاء والإدارة لشركات في مجال خدمات قطاع الطاقة في نيجيريا. وقد دخلت شريكاً في شركة أسّسها المرحوم المهندس نظام زبد عام 1984، وآلت حصصه فيها عند وفاته عام 2001، إلى زوجته السيّدة رولا أنيس يعقوب باقر، فأصبحنا ندير الشركة معاً منذ ذاك التاريخ. ويؤسفني أن تمتدّ هذه الحملة إلى اسمها وسمعتها، وأرفض ما تتعرّض له من تجنٍ وتشهير".

وتابع:"حملت لبنان معي في غربتي، وبقي تعلّقي به وإيماني بمستقبله دافعاً إلى الاستثمار فيه. والعقارات موضوع هذه الحملة اشتريت معظمها منذ سنوات طويلة بين عامي 2008 و2014، بأموالي الخاصة ولغايات تجارية صرفة، من خلال معاملات قانونية واضحة، ووفقاً للتشريعات اللبنانية النافذة، وقد سجلتها جميعها باسمي مباشرة، وسدّدت ثمنها بموجب تحويلات مصرفية موثقة عبر مصارف محلية وأجنبية، وأبدي استعدادي إذا تطلب الأمر لإبراز مستندات هذه التحويلات والمستندات المتعلقة بمصدر الأموال أمام الجهات الرسمية المختصة".

لكن البيان لن يشفي غليل الطامحين إلى إثارة القضية واعتبارها وجودية، مضى عليها زمن لم يتنبه فيه هؤلاء لـ"خطورة الأمر". وإثارة الموضوع في اليومين الماضيين على هذا النحو التصعيدي، تطرح الكثير من الأسئلة التي لا إجابات واضحة عنها حتى تاريخه، ومن أبرزها:
• لماذا استفاقت مجموعة من الناس على هذه القضية فجأة، علماً أن العقارات مبيعة بين العامين 2008 و2014؟
• كيف بيعت عقارات بهذه المساحات من دون علم أحد من المسؤولين السياسيين والحزبيين والبلديين بها؟ أو أنهم علموا ولزموا الصمت تجاهها في ذلك الحين؟
• من هو الشاري رضا محمد جفّال؟ مَن هم أهل بيته؟ وما تاريخه وحاضره ومصدر أمواله؟ هل يعلم أحد شيئاً في هذا المجال؟
• يقول رؤساء بلديات في المنطقة إنهم لا يعلمون بهوية الشاري إذا ما اقتصرت العملية على عقد بيع عند الكاتب بالعدل، ولم تُطلب بيانات من البلدية لإتمام عملية التسجيل. فهل العقارات المبيعة لم تسجّل باسم المالك منذ العام 2008؟
• هل تنطلق الحملة من تضارب في المصالح السياسية أو المالية، أو من عملية ابتزاز مالي غير مستبعد، فتحولت إلى كرة ثلج تطيح رؤوسا كبيرة؟
• لماذا ترافقت الضجة مع حملة سياسية ضد الرئيس أمين الجميل والنائب سامي الجميّل تحديداً؟ وهل لهما علاقة بالموضوع؟

ينفي جفّال أن تكون عمليات الشراء لحساب "حزب الله" أو أيّ حزب سياسي أو دولة أجنبية، كما ينفي ارتباطه بالعمل السياسي. ويُنقل عنه شعوره بـ"خيبة أمل عميقة". يقول: "اعتقدت بصفتي مواطناً لبنانياً، أن من الطبيعي أن أشتري أرضاً في أيّ منطقة من وطني".

و"الخيبة" التي يشعر بها محقّة، لكنها غير مستغربة في لبنان الذي تحكمه حسابات غير منطقية غالباً. والتساؤل يقابله سؤال: "ماذا لو قرر مستثمر مسيحي شراء عقارات بالمساحة نفسها في الضاحية الجنوبية أو في الجنوب؟ ألم تكن الشكوك لتثار حوله، وتجري محاصرته؟" وماذا عندما قرر تاجر كبير أن يشتري مساحات شاسعة في الشوف؟

أذكر أني دافعت ذات يوم، وما زلت على موقفي، عن رئيس بلدية الحدت (بعبدا) جورج عون الذي عرقل بيع الشيعة عقارات في النطاق البلدي للحدت، وقلت إنه المدافع الأول عن العيش المشترك وليس العكس. وأكرر القول، لأن كثيرين هاجموه وتحاملوا عليه من دون وجه حق.

في الأرقام أن بلدية الحدت تنقسم إلى 60% تحت "خط صيدا القديم" و40% فوقه. وقد تحولت العقارات تحت الخط إلى الملكية الشيعية بنسبة تفوق الـ95% وتم شراء نحو 5% من المساحة فوق الخط. وبذلك يكون الشيعة قد امتلكوا مساحة ربما تفوق 60% من الحدت. وعلى عون أن يحافظ على ما تبقى من مسيحيين في بلدته، بمنع خضوعهم للإغراءات المالية المشبوهة أحيانا، ومنع تهجيرهم، لذا اتخذ قراره الذي كلّفه كثيراً. وها "حزب الله" في توسعه الجغرافي، قد أنشأ مستشفى جديداً قرب مستشفى السان جورج الذي يستثمره منذ سنين قليلة.

إذن، بعض المخاوف في محلها، لكنها يجب ألا تتحول إلى كرة نار تحرق مطلقي الإشاعات أنفسهم، لأن كل المناطق في حاجة إلى استثمارات، والاستثمار يتطلب انفتاحاً، وعلى المسيحيين تحديداً ألا يدفع بهم القلق الوجودي والديموغرافي إلى محاولة عزل أنفسهم في "غيتوات" خانقة وقاتلة.

المصدر: النهار