شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

العمى... بعيون المبصرين

العمى... بعيون المبصرين

نعرف أن الكفيف لا يرانا، لكن هل يعرف كيف نراه؟ كيف ننظر إليه حين يدخل غرفة، أو يتقدّم إلى وظيفة، أو يقول إنه يريد أن يحبّ ويتزوّج ويؤسّس عائلة؟ قد لا يرى تعابير وجوهنا، لكنه يستطيع أن يلمس نظرتنا في الطريقة التي نعامله بها: في سؤال نوجّهه إلى مرافقه بدلاً منه، وفي دهشة مبالغ فيها لأنه يستخدم هاتفاً، وفي قرار نتّخذه نيابةً عنه، مقتنعين بأننا نعرف مصلحته أكثر مما يعرفها.

مرةً، سمعت مثلاً شعبياً في إحدى المناطق اللبنانية، مأساوياً في قسوته: "وين ما شفت الأعمى دبّه، مانك أكرم من ربّه". لا يختصر هذا القول مجتمعاً بأكمله، ولا يصحّ تحميل الناس جميعاً منطقه، لكنه يكشف إلى أين يمكن أن يصل تحويل الاختلاف إلى وصمة. يستدعي المثل الله لتبرير الأذى، كأن فقدان البصر حكمٌ على قيمة الإنسان، وكأن القسوة استكمالٌ لمشيئة إلهية. هكذا، يمنح الموروث الشعبي التمييزَ غطاءً، ويقدّمه في هيئة حكمة تتناقلها الألسنة.

لا للحماية الزائدة

ليست للمجتمعات العربية نظرة واحدة إلى الكفيف. فيها أسر تفتح لأبنائها أبواب الحياة، ومعلّمون يغيّرون طرائق التعليم كي يتّسع الصف للجميع، ومكفوفون ينظّمون أنفسهم للدفاع عن حقوقهم. وفيها أيضاً الشفقة التي تسبق التعارف، والخوف الذي يضيّق الخيارات، والتصور الذي يحصر مستقبل الإنسان في أعمال محددة سلفاً. وقد تجتمع هذه المواقف داخل الأسرة نفسها: حبّ صادق، يقابله عجز عن تخيّل حياة مستقلة للابن أو الابنة.

أحياناً تكون الحماية الزائدة أول الأسوار. حين نمنع الطفل الكفيف من التجربة خشية أن يتعثّر، أو ننجز عنه كل شيء اختصاراً للوقت، قد نحرمُه فرص تعلّم يحتاج إليها. ثم يأتي يوم نستشهد فيه باعتماده علينا دليلاً على أنه لا يستطيع. والحال أن الاستقلال يحتاج إلى تدريب وأدوات وبيئة آمنة، وإلى مساحة تسمح بالمحاولة والخطأ، كما يحدث مع أي طفل.

وفي خطابنا عن المكفوفين، ثمة فخّ آخر: أن نحصرهم بين المسكين والخارق. إما شخص يستدرّ العطف، وإما بطل نطالبه بإبهارنا كي نعترف بقدراته. نستحضر طه حسين كلما أردنا الدفاع عن كفيف، كأن الحقّ في التعليم والعمل يحتاج إلى شهادة عبقرية. لكن الإنسان يستحقّ مكانه في المجتمع حتى لو لم يؤلّف كتاباً، ولم يعزف موسيقى، ولم يقدّم حكاية نجاح تصلح للتلفاز. له أيضاً حقّ الحياة العادية.

وتوضح بعض التجارب كيف تتدخّل البيئة في رسم المصير. أتذكر عامر مكارم، مدير جمعية الشبيبة للمكفوفين، حين تزاملنا في الجامعة الأميركية في بيروت وكان يدرس الرياضيات، لكنه واجه صعوبة تأمين الكتب بطريقة برايل والاستعانة بمن يقرأ له، فانتقل بعد عامين إلى الآداب العربية لأننا كنا نسجّل مقرراتها بالصوت في مكتبة نعمة يافث بالجامعة، فيسمعها ويُتقنها. تستحق هذه التجربة أن نتوقف عندها: كم خياراً يبدو شخصياً، فيما تكون الخدمات الغائبة قد حسمته قبل صاحبه؟

من هنا، يصبح السؤال عن إعانة الكفيف أوسع من تقديم المساعدة المباشرة. ثمة حاجة فعلية إلى تعليم برايل، والتدريب على الحركة بالعصا البيضاء، واستخدام قارئات الشاشة، ودعم الأسرة، وتوفير الأجهزة لمن لا يستطيع شراءها. لكن هذه الجهود تبقى ناقصة إن عاد صاحبُها إلى رصيف تعترضه السيارات، أو مدرسة لا توفّر المواد بصيغة يستطيع قراءتها، أو مؤسسة تستبعد طلب توظيفه قبل أن تختبر مهاراته. فالعائق قد يكون في المكان الذي صمّمناه، والإجراء الذي وضعناه، والتوقع المنخفض الذي حملناه عنه.

مبادرات عربية

في مصر، تتيح مكتبة طه حسين في مكتبة الإسكندرية تقنيات تساعد المكفوفين وضعاف البصر على قراءة الكتب والدوريات والوصول إلى الموارد الرقمية. وتشمل برامجها التدريب على الحاسوب والحركة باستخدام العصا البيضاء. قيمة هذه الخدمات أنها توسّع قدرة الإنسان على الوصول إلى المعرفة والتنقّل واتخاذ القرار بنفسه.

في الإمارات، تعد تجربة مؤسسة زايد العليا لأصحاب الهمم من التجارب الرائدة عربياً في رعاية أصحاب الهمم من ذوي التحديات البصرية، إذ أنشأت إدارة رعاية المكفوفين وتضم مطبعة للمواد والمناهج والوسائل التعليمية والثقافية والقصص بطريقة "برايل". والإمارات من أوائل الدول التي دعت شركات الأدوية لكتابة مواصفات الأدوية بلغة "برايل" لتسهيل تعامل المكفوفين معها، ويولي مجلس حكماء المسلمين عناية خاصة لتعزيز استخدام لغة "برايل" في نشر قيم التسامح والسلام والتعايش الإنساني. وتقدم مكتبة محمد بن راشد أكثر من 2000 كتاب بلغة "برايل" بالعربية والإنكليزية. إلى ذلك، خصصت الإمارات مبلغ 60 مليون دولار لتطوير المدارس ودعم الاحتياجات التعليمية للمكفوفين وذوي الإعاقة البصرية في جميع مناطق إثيوبيا.

في السعودية، تسهّل منصة "قارئ" وصول المكفوفين وضعاف البصر إلى المحتويات المقروءة والمسموعة، فيما تعمل منصة "رؤية" بالمدينة المنورة على توفير السكن المؤثث، وسائل النقل، العلاج الطبي، إلى جانب اختراع جهاز رقمي لحفظ وتلاوة القرآن الكريم. وهناك ايضاً مشروع "بيت الكفيفة" بالرياض لتأهيل المرأة الكفيفة من مختلف مناطق المملكة ومساعدتها على محاكاة الواقع وممارسة حياتها اليومية باستقلالية، فيما يركز مركز الطفل الكفيف على تطوير المهارات الحسية والحركية والتعويضية للأطفال المكفوفين وإرشاد أسرهم لطرق التعامل المبكر معهم، تمهيداً لدخولهم برامج الدمج المهني وسوق العمل.

في قطر، يعمل مركز "مدى" على تحسين إمكانية الوصول إلى المعلومات والخدمات الرقمية، ويدعم تطوير حلول عربية وتقنيات مساعدة. وتوفّر بوابته لبرايل العربي الموحّد موارد لتطوير استخدام هذه الطريقة والوصول إلى المعرفة. وهذا مجال يمسّ تفاصيل الحياة: قراءة مستند، واستخدام موقع، وإنجاز معاملة. فالخدمة التي تنتقل إلى الإنترنت تظلّ بعيدة عن الكفيف إذا لم يُراعَ في تصميمها استخدامه لها.

أما في لبنان، فقد شاركت جمعية الشبيبة للمكفوفين ورابطة الجامعيين اللبنانيين للمكفوفين، ضمن ثماني منظمات، في جهود مع منظمة العمل الدولية لإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في وضع سياسات الحماية الاجتماعية. وفي فعالية تمت في عام 2023، قال مكارم نفسه: "نحن لا نطلب المستحيل". تختصر العبارة مطلباً واضحاً: أن يشارك المعنيون في تحديد احتياجاتهم وتصميم البرامج التي ستؤثر في حياتهم.

ليست مقياساً للنجاح

لهذه المبادرات قيمة كبرى، وللتبرع والتطوّع قيمة مبرى أيضاً. لكن قياس النجاح يحتاج إلى أسئلة تتجاوز عدد الأجهزة الموزّعة وصور الاحتفالات: هل استطاع الطالب الكفيف متابعة اختصاص يريده؟ هل وجد المتدرّب الكفيفا عملاً بأجر عادل؟ هل يستطيع الكفيف استخدام الخدمة بعد انتهاء أي مشروع؟ وهل تصل الفرصة إلى من يعيش بعيداً عن المدن، أو إلى أسرة لا تملك مالاً... ولا علاقات؟

يبدأ التغيير كذلك من تفاصيل صغيرة: أن نخاطب الكفيف مباشرة، وأن نسأله إن كان يحتاج إلى مساعدة وكيف يفضّلها، وأن نحترم رفضه لها. أن نأخذ رأيه بجدية، ونقبل اختلافه وغضبه، من دون أن نفرض عليه دور الإنسان الوديع، الممتنّ دائماً. وأن نراجع لغتنا حين نجعل العمى مرادفاً للجهل أو الفشل، حتى ونحن نظنّ أننا ندافع عن المكفوفين.

هل يعرف الكفيف كيف نراه؟ يعرف من معاملتنا أكثر مما نتصوّر. يعرف حين يُسمَع رأيه، وحين تُختزل شخصيته في إعاقته؛ حين تتاح له فرصة، وحين يُستبعد باسمهـا. أما نحن، فربما نحتاج إلى سؤاله أكثر مما نحتاج إلى الكلام عنه. وعندها، يصبح امتحان إنسانيتنا واضحاً: هل نتيح له أن يعيش كما يختار، وأن يستغني عن مساعدتنا حين يستطيع، وأن يطلبها حين يحتاج، من دون أن يدفع كرامته ثمناً؟

المصدر: النهار