عاطف عتر... لا يرى بعينيه لكنه يُسجّل الأهداف ويسمع ما لا يسمعه الآخرون
"أنا ما بشوف، بس بقدر سجّل الطابة بالسلة".
بجملة تختصر الكثير من حكايته، يقدّم عاطف عتر نفسه للعالم من زاوية مختلفة، لا تُعرّفه بما فقده، بل بما لا يزال قادراً على فعله. خلف هذه العبارة حكاية رجل فقد بصره بعد عملية ليزر، وعاش سنوات في مواجهة الصدمة، قبل أن يجد طريقه مجدداً إلى الحياة والعمل، متمسّكاً بأحلام لم تتوقف عند حدود ما تراه العين.
كان عاطف يرى قبل أن يتعرّض، بحسب روايته، لخطأ طبي خلال عملية ليزر للعين. ويشرح أنّ لديه تاريخاً عائلياً لمرض وراثي في العين، وأنّ الفحوصات التي سبقت العملية أظهرت، وفق ما قيل له، أنّ عينيه تتحمّلان أشعة الليزر. لكنّ النتيجة جاءت مختلفة تماماً عمّا توقّعه؛ إذ يقول إنّ العملية ألحقت ضرراً بشبكة الأعصاب في عينيه، فلم يعد يرى سوى شعاع الضوء.
لم يكن فقدان البصر مجرّد تغيّر في قدرته على الرؤية، بل انقلاباً في تفاصيل حياته اليومية. يروي عتر أنّه دخل في حالة نفسية استمرّت نحو خمس سنوات، محاولاً استيعاب ما حدث والتأقلم مع واقع جديد لم يكن سهلاً عليه. حتى المشاوير العادية أصبحت تحتاج إلى تنسيق مع شخص يستطيع مرافقته، فيما اضطر أحياناً إلى إلغاء خططه لعدم توافر من يساعده على التنقّل.

لكنّ عتر لم يستسلم طويلاً لفكرة أن تتحوّل الإعاقة إلى حدود دائمة لحياته. ومع الوقت، بدأ يكتشف قدرات أخرى، وفي مقدّمها حاسة السمع، التي يقول إنّه يعتمد عليها إلى حدّ بات معه يشعر كأنّه يرى بأذنيه. فهو يستطيع، بحسب تجربته، التعرّف إلى أشخاص من وقع خطواتهم أو من أصوات درّاجاتهم النارية، كما يعتمد على السمع عند عبور الشارع، محاولاً تمييز أصوات السيارات قبل التقدّم.
ويستعيد عتر هذه التجارب بروح مرحة، مستشهداً بقدرته على التمييز بين الأشخاص من تفاصيل قد لا ينتبه إليها الآخرون، مثل سماكة الأصابع أو وقع الخطوات. وهي عادات يفضّل عدم كشفها لأصحابها، خشية أن يغيّروا طريقة حركتهم، فيضطر إلى التكيّف مجدداً مع إشارات مختلفة.
وفي موازاة محاولاته المستمرة للتأقلم، لا يترك عتر العمل جانباً. فهو يدير مع شقيقه، الذي يعاني أيضاً فقدان البصر، محلّاً لألعاب البلايستيشن، ويشارك حالياً في مشروع بالتعاون مع مؤسسة رينيه معوّض، وRMF وGIZ وDorsch Impact. ويقول إنّه يعمل نحو 15 إلى 16 ساعة يومياً، من دون يوم عطلة، في محاولة لبناء مستقبله وتوسيع فرصه.
ولا تتوقف طموحاته عند ما حقّقه حتى اليوم؛ إذ يحلم بتطوير نفسه وإطلاق مسيرته على "يوتيوب"، حيث يعمل على إعداد قناته الخاصة.
أما رسالته إلى وزراء الصحة والعدل والشؤون الاجتماعية، فهي دعوة واضحة إلى محاسبة الأطباء الذين يثبت فسادهم أو تقصيرهم، مؤكّداً أنّ حياة الناس ليست مجالاً للتجارب أو وسيلة لاستغلالهم مادياً.
قد لا يستعيد عاطف عتر بصره، لكنّه يواصل البحث عن مساحات جديدة يستطيع أن يرى فيها مستقبله. فبالنسبة إليه، لا تتوقف الحياة عند ما تخسره العين، ولا تُقاس القدرة على الوصول إلى الهدف دائماً بما نراه أمامنا، بل بما نمتلكه من إرادة لمواصلة الطريق.

"يوم العصا البيضاء"... ملف خاص من "النهار" عن المكفوفين
1- عبد الرحمن أياس: المكفوفون وسوق العمل: فرص وتحديات في يوم العصا البيضاء
2- وعدوا المكفوفين باستعادة البصر فأين وصلت التكنولوجيا؟
3- ميرا فاضل: حين تتجاوز البصيرة حدود البصر: مكفوفون تركوا بصماتهم في التاريخ
4- غاندي المهتار: العمى... بعيون المُبصرين
المصدر: النهار