الصين لا تملك رفاهية خسارة السوق الأوروبية .. تراجعت خطوة للوراء تفاديا التصعيد | صحيفة الاقتصادية
لسنوات طويلة، واصلت الصين إغراق القارة الأوروبية بسيل من الصادرات الرخيصة التي التهمت هوامش أرباح الشركات وقضت على آلاف الوظائف الصناعية، وأطلقت تحذيرات حازمة لبروكسل من اتخاذ تدابير حمائية. واليوم، ربما بكين تتراجع خطوة إلى الوراء، ولو مؤقتا، في مسعى واضح لشراء الوقت وتفادي تصعيد وشيك.فقد وافقت الصين على خطة للاتحاد الأوروبي تهدف إلى وضع سقف لواردات السيارات الهجينة؛ وهي خطوة يتوقع المسؤولون الأوروبيون أن تقلص حجم هذه الواردات بأكثر من النصف، وذلك عقب محادثات جرت الأسبوع الماضي في بكين.وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، هذه الخطوة بمثابة متنفس لكبريات شركات تصنيع السيارات الأوروبية مثل "فولكسفاجن" و "ستيلانتيس"، المالكة لـ "فيات"، التي كابدت سنوات تحت وطأة المنافسة غير المتكافئة. ويبدو أن بكين استشعرت الخطر الحقيقي بعدما اتفقت فرنسا وألمانيا على تبني استراتيجية موحدة تحمي المصالح الصناعية للاتحاد، تدفع باتجاه فرض إجراءات تقييدية إضافية خلال قمم بروكسل المرتقبة.للوهلة الأولى، تبدو ماكينة التصدير الصينية قوة اقتصادية لا تقهر، مدفوعة بفائض تجاري تاريخي تجاوز 1.2 تريليون دولار العام الماضي. لكن اعتماد الصين على الصادرات لدعم اقتصادها يعني أن بكين لا تستطيع المخاطرة بفقدان وصولها إلى السوق الأوروبية الضخمة والمربحة لتعويض ركود الطلب المحلي وتردد المستهلك الصيني في الإنفاق. وفي ظل الإغلاق شبه الكامل للأسواق الأمريكية بسبب التوجهات الحمائية للرئيس ترمب، تقول إلفير فابري، مديرة برنامج التجارة والأمن الاقتصادي في معهد "جاك ديلور"، ومقره باريس: "إن إغلاق السوق الأمريكية لم يؤد إلا إلى زيادة قيمة السوق الأوروبية. إنها نافذة فرصة ضيقة ينبغي على الأوروبيين استغلالها بحكمة".لقد اعتمدت بكين تقليدياً على شبكة حلفاء من كبار الصناعيين الأوروبيين للدفاع عن حرية التجارة وصد أي عقوبات، غير أن تلك المعادلة تلاشت بعدما خسرت الشركات الأوروبية حصصها في الصين وعانت من تآكل مبيعاتها في أسواقها المحلية. ودفع هذا التغير بروكسل إلى تبني منهج جديد؛ فبدلاً من السعي غير المجدي لفتح الأسواق الصينية أمام المنتجات الأوروبية، بات الهدف الصريح هو خفض ما تبيعه الصين لأوروبا. ويهدف المقترح الحالي إلى تحديد سقف استيراد السيارات الهجينة بنحو 350 ألف سيارة سنوياً، ومن المتوقع أن تدخل هذه الحصة حيز التنفيذ في الأشهر المقبلة، على أن تزداد بنسبة 6% سنوياً على مدى السنوات الثلاث التالية، وفقاً للمسؤولين.تدرك أوروبا أن تحدياتها الاقتصادية ليست فقط بسبب التدفق الصيني، بل بالبيروقراطية الخانقة، والارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة، وضعف الاستثمار الابتكاري. ومع ذلك، فإن النزيف المستمر لفرص العمل في المصانع يهدد باستقرار القارة سياسياً واجتماعياً. وقد تجسد التحول الأوروبي في المبادرة الفرنسية الألمانية المشتركة لتطوير أدوات قانونية تمنح بروكسل تفويضاً واسعاً لفرض عقوبات وحظر سلع الشركاء غير الملتزمين بالمنافسة العادلة، إلى جانب آليات لحماية القطاعات الحيوية من الردود الانتقامية وتقليل الاعتماد المفرط على سلاسل الإمداد الصينية.تضاعف العجز التجاري الأوروبي مع بكين خلال العقد المنصرم ليتجاوز مليار دولار يومياً، مدفوعاً بنمو حجم الواردات لخمسة أضعاف، لا سيما مع انتقال فائض الطاقة الإنتاجية الصينية من الصناعات الثقيلة مثل الأسمنت إلى قطاعات متقدمة مثل السيارات والكيماويات والأدوية. ورغم أن التنازل الصيني الأخير في قطاع السيارات قد يهدئ العاصفة مرحلياً، أشار مسؤولون ودبلوماسيون في الاتحاد الأوروبي، قبيل اجتماعات هذا الأسبوع، إلى توقعاتهم بأن تتخذ تدابير قد تطال قطاعات أخرى، مثل الكيماويات، التي واجهت صعوبات في منافسة الواردات الصينية منخفضة التكلفة.يبقى الاختبار الحقيقي أمام القارة العجوز هو مدى قدرتها على الحفاظ على هذه الجبهة الموحدة؛ فالانتخابات المقبلة قد تعيد رسم التحالفات. ويرى نواه باركين، المحلل في مجموعة "روديم" في برلين، أن اتخاذ الصين إجراءات انتقامية حازمة قد يدفع المسؤولين الأوروبيين إلى التراجع أو التردد.ويقول باركين: "مهما بلغ حزم أوروبا ووحدتها اليوم، فإن هذه الوحدة ستخضع لاختبار حقيقي إذا ما ردت الصين بقوة".
المصدر: الاقتصادية