المعماري الإيراني كاوه دبيري لـالنهار: العمارة لا تصنع المدن وحدها... والثقافة تمنحها الحياة
بين مدينة كبرى مثل طهران، ومتاحف ومعارض فنية، ومواقع صناعية تتحول إلى وجهات ثقافية، تشكّلت تجربة كاوه دبيري المعمارية بعيداً عن الحدود التقليدية للمهنة. فعمله لا يتوقف عند تصميم المبنى، بل يمتد إلى طريقة تنظيم الفضاء، ورواية المكان، وخلق مساحات تلتقي فيها العمارة بالفن والثقافة.
منذ انضمامه عام 2009 إلى OMA" (Office for Metropolitan Architecture)"، أحد أبرز مكاتب العمارة والتصميم العالمية، عمل دبيري بين الشرق الأوسط وأوروبا، من دبي والدوحة إلى الرياض وجدة، على مشاريع تتقاطع فيها العمارة مع الثقافة والفنون. وبعد أكثر من 15 عاماً، أصبح شريكاً في المكتب، ويقود حالياً توسعة منطقة جاكس في الرياض، بعدما تولّى السينوغرافيا للدورتين الأولى والثانية من بينالي الفنون الإسلامية في جدة.
وفي حديث خاص لـ"النهار"، يتحدث دبيري عن المدن التي شكّلت رؤيته، وعلاقته بالعمارة وتصميم المعارض، وتجربته في السينوغرافيا، وكيفية تطوير المشاريع المعمارية بما يحافظ على هوية المكان.

وُلدت وترعرعت في طهران، ودرست العمارة في إيران والتخطيط الحضري في دلفت قبل انضمامك إلى OMA عام 2009. كيف شكّلت هذه التجارب رؤيتك للعمارة والمكان؟
شهدت طهران في الثمانينيات والتسعينيات تحوّلات كبيرة على المستويين العمراني والسياسي والاجتماعي، لم أكن أملك آنذاك تفسيراً واضحاً لها.
درست الهندسة المعمارية في إيران، وفي نهاية دراستي بدأت ألاحظ فجوة بين دراسة العمارة ودراسة المدن والسياقات التي تنشأ فيها المشاريع. أدركت أن العمارة ليست نتاجاً معزولاً، بل نتيجة عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها. هذا الإدراك دفعني إلى دراسة التخطيط الحضري في دلفت، وهناك ازداد اهتمامي بـ "OMA" وطريقة التفكير في المدن المعاصرة.
وعزّز العمل والعيش في بلدان مختلفة قناعتي بأن لكل سياق خصوصيته، حتى عندما تبدو البلدان متشابهة. لذلك، أتجنّب التعميم، وأرى أن فهم خصوصية كل مكان شرط أساسي لأي مشروع.

ما الذي يجمع بين العمارة والتخطيط الحضري وتصميم المعارض في تجربتك؟
ما يجمع هذه المجالات هو استخدام الفضاء وتنظيمه، رغم أن لكل منها خصائصه. تصميم المعارض، مثلاً، يختلف عن العمارة لأنه مؤقت بطبيعته، ما يمنحه مرونة أكبر ويتيح استكشاف إمكانات قد لا يكون من الممكن تنفيذها في العمارة التقليدية.
أما في العمارة والتخطيط الحضري، فالتفكير في السياق أمر أساسي. عندما تنظر إلى السياق الاجتماعي والسياسي والعمراني والمكاني، تبدأ بطرح أسئلة أساسية: لماذا يوجد هذا المشروع؟ ولماذا هنا؟ وما القوى التي تقف وراءه؟
تقود توسعة منطقة جاكس في الرياض. كيف تعاملتم مع الموقع القائم والمشهد الفني والثقافي الذي نشأ فيه؟
جاكس موقع صناعي قائم بالفعل، والعمل مع سياق ومبانٍ موجودة يحمل قيمة كبيرة بالنسبة إليّ. هناك اعتقاد بأن المشاريع في هذه الدول تُبنى دائماً من الصفر، لكن في جاكس لم نقترح ببساطة مباني جديدة، بل عملنا مع ما كان موجوداً.
والأهم أن الموقع لم يكن مجرد مبانٍ وبنية مادية، بل كان حياً بالفعل ويُستخدم بشكل جيد من قبل المشهد الفني. لذلك، كان هدفنا تعزيز ما هو موجود وإعطاؤه حياة جديدة، بدلاً من إعادة ابتكاره بالكامل. أراه نوعاً من التطور الطبيعي لظاهرة كانت موجودة أصلاً.

قدت تصميم السينوغرافيا للدورتين الأولى والثانية من بينالي الفنون الإسلامية، وستقود السينوغرافيا أيضاً في دورة 2027. كيف تصف هذه التجربة وما الذي ميّزها؟
اختلفت الدورتان في المحتوى والمعارض، لكنهما شكّلتا تجربتين ممتعتين، أبرز ما ميّزهما التعاون مع فريق متنوع من القيّمين والفنانين والمتخصصين. فالنتيجة النهائية ثمرة عمل جماعي وتنسيق مكثّف، وهذا ما منح التجربة قيمتها.

بعد أكثر من 15 عاماً في "OMA"، كيف تصف تطور دورك، وما الذي تتطلع إليه في المرحلة المقبلة؟
أرى دوري الحالي في "OMA" استمراراً للمراحل السابقة. لطالما آمنت بطريقة عمل "OMA"، وبالطريقة التي ننظر بها إلى المشاريع والسياقات، وبفضولنا تجاه البلدان المختلفة.
أرى هذه المرحلة جزءاً من مسار طويل يحمل تحديات ورؤى جديدة. وأنا مهتم بمواصلة العمل في سياقات مختلفة، وفهم خصوصية كل بيئة، والاستمرار في المشاريع الثقافية والفنية، من دون أن نكون محصورين فيها، لأن "OMA" مكتب شامل يعمل في مجالات متعددة.
كيف ترى تطور المشهد الثقافي في المدن العربية، وما الدور الذي يمكن أن تؤديه العمارة في هذا التحول؟
شهدت العقود الأخيرة اهتماماً متزايداً بتطوير البرامج الثقافية في العالم العربي، خصوصاً في مجال الفن، واستخدام المتاحف والمعارض للتواصل مع المجتمعات المحلية.
في السعودية، هناك حركة فنية محلية قوية، لذلك لا أرى أن هذا الحراك جديد، بل إن الاهتمام بإبرازه وتقديمه للجمهور ازداد اليوم من خلال المتاحف والمساحات الثقافية.
وأعتقد أن العمارة تؤدي دوراً مهماً، لكن الأهم هو فهم أسباب وجود المشروع والعوامل التي تقف وراءه، لتقديم حلول أكثر ارتباطاً بالسياق المحلي، وفق الظروف السياسية والاقتصادية والطموحات في كل بلد.
المصدر: النهار