تجربتي لجان الحواط… من ذاكرة الفرد إلى أسئلة الوطن
"تجربتي"… عنوانٌ يوحي للوهلة الأولى بسيرة رجل يروي ما عاشه، لكن جان الحواط يفتح من خلال تجربته نافذةً على سيرة وطن. فالكتاب لا يضع المؤلف في مركز الحكاية بقدر ما يجعل من ذاكرته مدخلاً إلى سؤال أكبر: كيف وُلد لبنان، ولماذا تعثرت دولته، وهل بقي أمام أبنائه طريقٌ إلى الخلاص؟
منذ الصفحات الأولى، تتجاور الحكاية الشخصية مع التاريخ العام. بدأت فكرة الكتاب في مئوية لبنان الكبير، عام 2020، فيما كان البلد يدخل انهياره المالي والمؤسساتي. ثم أوقفت وفاة زوجته جانيت مسار الكتابة، قبل أن يعود الحواط إلى البحث والتأليف. لذلك لا تبدو "تجربتي" مجرد مراجعة سياسية، بل عملاً يحمل أثراً وجدانياً؛ محاولةً للقبض على معنى الوطن في لحظة تتفكك فيها الثقة به.
ينطلق السرد من ولادة لبنان الكبير عام 1920، ويعود إلى جذوره، ودور البطريرك الياس الحويك في المطالبة بكيان يجمع الجبل والساحل والبقاع. لا يقدّم المؤلف التأسيس كقرار دولي صرف، بل كحصيلة مطالبة لبنانية استفادت من التحولات الدولية. لكن إعلان الدولة، كما يبيّن الكتاب، لم يحسم سؤال الانتماء ولا مهمة بناء المواطنة؛ إذ بقي التوازن بين التنوع والشراكة من أبرز تحديات الكيان.
ومن هنا يمرّ الحواط على الانتداب والدستور، ثم يمنح إميل إده والكتلة الوطنية مساحة محورية. في إده يرى مدافعاً عن السيادة والاستقلال والمؤسسات، وفي مسيرته يقرأ صراعاً أوسع على طبيعة الدولة وعلاقتها بالخارج. ثم تتوالى العهود، من الاستقلال إلى الطائف، في عرضٍ يربط الأزمات بتراكم الطائفية والتدخلات والسلاح وضعف المحاسبة. وتُقرأ الجمهورية الثانية، بدورها، من خلال الوصاية السورية، والاغتيالات، والانقسام السياسي، وصولاً إلى الفراغ والانهيار المالي وانفجار المرفأ.
قوة الكتاب في هذا الامتداد الزمني، وفي محاولته وصل الماضي بما يعيشه اللبناني اليوم. أما نبرته، فهي منحازة بوضوح إلى مدرسة وطنية يدافع عنها المؤلف، ولا تقدّم نفسها كقراءة أكاديمية محايدة. وهذا يجعلها أقرب إلى شهادة سياسية ذات موقف، تدعو القارئ إلى محاورة روايتها ومقارنتها بذاكرته وبالوقائع.
ولا يغفل الحواط البعد الروحي في فهم لبنان، فيتوقف عند زيارة البابا لاوون الرابع عشر، مستعيداً صورة البلد بوصفه مساحةً للحرية والتعدد والعيش المشترك. لكنه يشدد على أن حماية هذه الرسالة لا تتحقق بالشعارات أو الحنين إلى الماضي، بل بدولة مدنية تحترم الأديان، وتصون الاختلاف، وتساوي بين المواطنين أمام القانون. هنا يلتقي البعد الروحي مع السياسي، في دعوة إلى مصالحة لا تلغي العدالة، وإلى انفتاح لا يفرّط بالسيادة.
وفي فصوله الأخيرة، ينتقل الكتاب من تشخيص العطب إلى رسم ملامح الدولة المنشودة: قضاء مستقل، إدارة كفوءة، انتخابات نزيهة، سيادة للقانون، ومحاسبة جدية. ويرى في انتخاب رئيس وتشكيل حكومة فرصةً للجمهورية الثالثة، لكنها فرصة مشروطة بتحويل التعهدات إلى إصلاحات، وبحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية.
هكذا يتسع معنى "تجربتي": إنها تجربة مؤلفٍ يستعيد محطات بلاده، وتجربة لبنان مع وعود الاستقلال والدولة التي لم تكتمل. وبين النقد والأمل، يترك الحواط قارئه أمام السؤال الذي يظل مفتوحاً: هل تكفي معرفة أسباب السقوط لبدء النهوض، أم أن الخلاص يبدأ حين تتحول الدولة من فكرةٍ في الكتب والخطابات إلى واقعٍ يلمسه المواطن.
المصدر: النهار