عين على الوطن: الجامع الأموي بحلب.. بناه الأمويون.. ودمره الأسد.. وبعثته “سوريا الجديدة” من رماد الدمار
في قلب الشهباء العتيقة، وعلى مرمى حجرٍ من قلعتها الشامخة، يقف الجامع الأموي الكبير مرآةً لتاريخ أمةٍ لا تموت؛ يروي حكاية مجدٍ شيّدته الأيادي البيضاء، وغدرٍ أذاقه طعم الدمار، وبصيرة أحرارٍ أعادوا صياغة الحياة من رحم الرماد. من ريادة العصر الأموي الخالد، هبطت أنوار التأسيس على أرض حلب؛ فحيث انبرى الخليفة الوليد بن عبد الملك لوضع حجر الأساس مع مطلع القرن الثاني الهجري، وأتمه أخوه سليمان، ليغدو صرحاً روحياً ومعمارياً يطاول السحاب. كان الجامع ديواناً للحضارة ودرّةً تزدان بها حلب، محتضناً في جنباته الطاهرة مقام نبي الله زكريا عليه السلام، وناطقاً بجمال الفنون الإسلامية التي توّجتها تلك المئذنة السلجوقية الفريدة، التي ظلت لقرونٍ طويلة منارةً للهداية وقبلةً للناظرين. لكنّ طغيان الاستبداد وجنون الحرب لم يستثنيا المعالم ولا التاريخ؛ فعمد النظام البائد إلى صبّ حمم النيران على هذا الصرح العظيم، عابثين بقدسيته وتاريخه العريق، فتحولت جدران الجامع العتيقة إلى ركام، وتهاوت مئذنته السلجوقية الشامخة تحت وطأة القصف والدمار الممنهج، في مشهدٍ دامٍ أرادوا به طمس الهوية وكسر إرادة المدينة، تاركين أروقته جثثاً هامدة تندب حظها تحت سماء الاحتراق والإهمال وكما يخرج النور من قلب الظلمات، أشرقت شمس “سوريا الجديدة” لتنفخ الروح من جديد في جسد التاريخ الممزق، بجهودٍ وطنية مخلصة، انطلقت ورشات الإعمار لترمم الجراح وتلملم الشتات حجرًا بحجر، بحرصٍ يحفظ أمانة الأجداد ويصون الهوية. واليوم، يعود الجامع الأموي بحلب ليرفع مئذنته عالياً، وتصدح مآذنه بالآذان بعد 14 عاماً من الغياب، ضارباً أروع الأمثلة على أن إرادة الحياة وعزم البناء أقدر وأبقى من آلات الدمار والخراب، ليبقى رمزاً أبدياً لنهوض سوريا العظيمة. عبر التاريخ يقع الجامع الأموي الكبير في حي “الجلوم” بقلب المدينة القديمة بحلب، بالقرب من سوق المدينة التاريخي، ويُعد من أهم المساجد الأثرية في سوريا والعالم الإسلامي، وترتبط بدايات بنائه بالعصر الأموي، خلال حكم الخليفة الوليد بن عبد الملك، إذ بدأت أعمال تشييده عام 715 ميلادية، واكتمل بناؤه في عهد أخيه الخليفة سليمان بن عبد الملك، عام 717 ميلادية، وفقاً للمعلومات التاريخية التي يوثقها مركز التراث العالمي التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”. وشهد المسجد على امتداد تاريخه تحولات كبيرة، نتيجة الحرائق والزلازل والغزوات، فضلاً عن أعمال التوسعة والترميم التي تعاقبت عليه في عصور مختلفة. وتعكس هذه المراحل التاريخية الطابع المعماري المتنوع للجامع، الذي يجمع بين عناصر من العمارة الإسلامية المبكرة والتأثيرات السلجوقية والمملوكية والعثمانية، بما يجعله شاهداً على تعاقب الدول والحضارات على حلب. تتميز عمارة الجامع بصحنه الواسع المحاط بالأروقة، وقاعة الصلاة، والعناصر الحجرية والزخرفية التي تعكس تقاليد البناء في المنطقة، كما اشتهر تاريخياً بمئذنته المربعة التي أُنشئت في أواخر القرن الحادي عشر، خلال الفترة السلجوقية، وكانت من أبرز معالم المدينة القديمة. يضم الجامع معالم دينية وتراثية ارتبطت بذاكرة سكان حلب، من بينها مقام يُنسب إلى النبي زكريا، وهو ما أضفى عليه مكانة خاصة لدى المصلين والزوار. لدى المسجد أربعة أبواب، شمالي قرب مكان المئذنة، وغربي يطل على شارع “المساميرية”، وشرقي ينفذ إلى سوق “المناديل”، وجنوبي قرب سوق “النحاسين”، وكان للمسجد صحن واسع محاط بأروقة ثلاثة. صراعات وحروب لم يكن الجامع الأموي في حلب بمنأى عن الصراعات السياسية التي عاشتها المدينة خلال قرون، حيث أحرقه إمبراطور الروم عام 962 للميلاد، قبل أن يأمر الأمير سعد الدولة بإصلاحه. وفي 1169 تعرض المسجد لحريق كبير لم تتضح أسبابه، واجتهد الملك نور الدين زنكي في إصلاحه وترميمه وزيادة مساحته، وقطع له أعمدة صفراء من قرية “بعاذين” بريف حلب. وفي عام 1259 ميلادية استولى التتار بقيادة هولاكو على حلب فأحرقوا الجامع ودمروا المدينة، وذلك مباشرة بعدما خربوا بغداد ودمروها، وهي التي كانت مركز الحضارة الإسلامية حينها. وتذكر المصادر التاريخية أن المماليك منحوا اهتماماً ملموساً للمسجد، خاصة الظاهر بيبرس وقلاوون وابنه الناصر محمد، وأثناء حقبتهم رمم المسجد وزين بالنقوش والزخارف الإسلامية، كما بني محراب يشير إلى اتجاه القبلة، وفي عام 1285 أمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون بتشييد المنبر الجديد أو ما يطلق عليه منبر “الواعظ”. ومع اندلاع الثورة السورية، دمرت قوات الأسد الأسواق المغطاة المحيطة بالمسجد، ولاحقاً، مع استمرار القصف، تعرض مُصلى النساء لعملية حرق كاملة، لكن خلال نيسان عام 2013 تعرض الجامع الأموي لكارثة بعد إسقاط المئذنة بسبب القصف، وكانت المئذنة فريدة من نوعها على مستوى المعمار، وقد وصف عالم الآثار “إرنست هرتسفلد” النمط المعماري للمئذنة بأنه نتاج حضارة البحر المتوسط، ويبلغ ارتفاع المئذنة 54 متراً، ورممت وأدخلت عليها تحسينات أكثر من مرة، واعتبرت نموذجاً لتطور الهندسة في العهدين الأيوبي والمملوكي تحديداً.
المصدر: الوطن