من غرب أفريقيا إلى وسط آسيا؛ ما الذي تبنيه سلطنة عُمان؟
تحليل ورأيمن غرب أفريقيا إلى وسط آسيا؛ ما الذي تبنيه سلطنة عُمان؟١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ | 2:29 مساءًمن غرب أفريقيا إلى وسط آسيا؛ ما الذي تبنيه سلطنة عُمان؟أثير- أحمد بن محمد الغافريفي منطقتنا التي تتوالد فيها الأزمات، تزداد حاجتنا إلى رؤية الأفق، وإلى سياسة تحمي الحاضر دون أن تفقد قدرتها على صناعة المستقبل، وسلطنة عُمان بموقعها الجغرافي وامتدادها الحضاري والثقافي والتاريخي، وبالنهج الذي اختارته لعلاقاتها مع العالم، تواصل جهودها لتجنيب المنطقة وشعوبها تداعيات الحروب والاختناقات السياسية؛ فالأزمات حين تطول تستنزف الموارد، وتستنزف معها القدرة على تخيّل المستقبل، وتدفع السياسة والاقتصاد والمجتمعات إلى الدوران حول الخطر الداهم، حتى تصبح قرارات الاستثمار وخطط التنمية رهينة انتظار ما ستأتي به الأيام، وحين يتوقف ميناء أو تتعطل حركة السفن، يظهر أثر ذلك، عاجلًا أو آجلًا، في مصنع بعيد، وفي فاتورة غذاء الأسرة، وفي مشروع يتردد صاحبه في المضي فيه.من هنا، تكتسب التحركات العُمانية أهميتها؛ فهي تحركات دولة تعمل على احتواء اضطراب جوارها، وتواصل في الوقت نفسه توسيع شبكة مصالحها وشراكاتها، وفي هذه القراءة، تبدو الدبلوماسية الاقتصادية والعمل من أجل التهدئة جزأين من مهمة واحدة: حماية قدرة البلاد على التنمية، وتهيئة ظروف أفضل للازدهار المشترك؛ ففتح الأسواق يحتاج إلى طرق آمنة، وجذب الاستثمار يحتاج إلى قدر معقول من الاستقرار، وتنويع الاقتصاد يحتاج إلى شركاء يستطيعون التخطيط لسنوات دون أن تبتلع الأزمات حساباتهم كل بضعة أشهر.ومن الحضور الدبلوماسي في غرب أفريقيا، مرورًا بالشراكات المتنامية في أنحاء القارة، وصولًا إلى زيارة الدولة التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم -حفظه الله ورعاه- إلى كازاخستان، تتشكل ملامح حركة تستثمر في تعدد الخيارات وبناء المصالح المشتركة؛ فالدولة التي تتسع شبكة شركائها تصبح أكثر قدرة على مواجهة المفاجآت، وأقل عرضة لأن تحدد أزمة واحدة حدود مستقبلها.ولفهم هذه التحركات، ينبغي النظر إلى الخريطة من مسقط؛ فسلطنة عُمان قريبة من بؤر التوتر، ومتصلة بممرات تتجاوز أهميتها حدود المنطقة إلى الاقتصاد العالمي، وقد أكدت السلطنة في كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026م مواصلة مساعيها لصون الملاحة في مضيق هرمز وفق القانون الدولي، وأشارت إلى أثر الحرب وتعطّل الملاحة والتجارة في أمن الطاقة واستقرار الأسعار والثقة في النظام العالمي، وهذه الخلفية تفسر لماذا يصبح السلام بالنسبة إلى بلادنا ضرورة تتصل مباشرة بحركة الاقتصاد وأمن المجتمع.في غرب أفريقيا، تحمل الخطوات الدبلوماسية العُمانية معنى التأسيس الهادئ لهذا الامتداد؛ فقد صدر في الثالث من سبتمبر 2026م مرسوم سلطاني بتعيين سفير غير مقيم لدى جمهوريتي بنين وسيراليون، فيما تغطي السفارة العُمانية في داكار علاقات السلطنة مع عدد من دول المنطقة، من بينها غامبيا وغينيا وغينيا بيساو والرأس الأخضر، ويضاف إلى ذلك التصديق، في الرابع من يناير 2026م على اتفاقية الخدمات الجوية مع كوت ديفوار “ساحل العاج”، وهي خطوات متفاوتة في طبيعتها، لكنها توفر قنوات يمكن أن تنمو عبرها التجارة والاستثمار والتواصل بين المؤسسات والشعوب.والقيمة المحتملة لهذا الحضور أن العلاقات الاقتصادية تبدأ قبل الصفقات بوقت طويل؛ تبدأ بمعرفة السوق، وفهم مؤسساتها، والوصول إلى صانع القرار، وتوفير جهة يستطيع المستثمر الرجوع إليها؛ لذلك يستحق توسيع التمثيل الدبلوماسي أن يُقرأ ضمن أدوات صناعة الفرص، فالمسافة تصبح أقل صعوبة حين تتوافر المعرفة والثقة، وتصبح أشد تعقيدًا حين تغيبان، مهما تقاربت الموانئ والمطارات.وفي بوتسوانا وأنجولا، منحت زيارتا جلالة السلطان في سبتمبر 2026م هذا الانفتاح دفعة على مستوى القيادة؛ ففي بوتسوانا وُقّعت تسع مذكرات اتفاق وتفاهم، شملت مجالات منها ترويج الاستثمار والخدمات الجوية والأمن الدوائي والإمداد الصيدلاني والتعاون في التنقيب التعديني وأمن الطاقة، وتكشف طبيعة هذه المجالات عن اهتمام باحتياجات اقتصادية أساسية تتصل بالإنتاج والخدمات وقدرة الدول على تأمين مقومات نموها.وفي أنجولا، شملت مخرجات الزيارة خمس اتفاقيات وثماني مذكرات تفاهم وبرنامجًا تنفيذيًا، في مجالات سياسية واقتصادية واستثمارية، وهذه الأطر تمنح العلاقة، بما فيها علاقات مجتمع الأعمال، قاعدة أوسع للعمل. غير أن أثرها الاقتصادي سيتحدد بما ينتقل منها إلى التنفيذ؛ فالزيارة على مستوى القيادة تعبّر عن إرادة سياسية لفتح أبواب التعاون، ثم يأتي دور المؤسسات والشركات في تحويل هذه الإرادة إلى مشروعات وشراكات قابلة للاستمرار.وقبل الزيارتين السلطانيتين، استقبلت صلالة الرئيس الرواندي بول كاجامي في زيارة رسمية يومي السابع والثامن من سبتمبر 2026م، وقد حملت الزيارة مخرجات تؤسس لاستمرار التعاون، من الاتفاق على فتح سفارتين مقيمتين، إلى إنشاء لجنة مشتركة ومجلس أعمال مشترك، وهي أدوات تمنح التفاهمات إطارًا مؤسسيًا، وتتيح متابعة ما يتفق عليه القادة بعد انتهاء الزيارة ومغادرة الوفود.وحين توضع محطة صلالة إلى جانب زيارتَي بوتسوانا وأنجولا، تتضح صورة انفتاح تتحرك فيه المبادرة في الاتجاهين: سلطنة عُمان ترحب بشركائها وتذهب إليهم، وتوسّع عبر هذا التبادل مساحة التعارف السياسي والعمل الاقتصادي. كما تتيح هذه الأمثلة قراءة أفريقيا بوصفها فضاءً لشراكات تنطلق من احترام تطلعات كل طرف، وتوظيف مزاياه الاقتصادية والبناء عليها؛ فالشراكة الأكثر رسوخًا هي التي يجد فيها كل طرف سببًا عمليًا للدفاع عن استمرارها.وعلى الطرف الآخر من الخريطة، جاءت زيارة جلالة السلطان إلى كازاخستان يومي الخامس والسادس من أكتوبر 2026م امتدادًا لمسار سبقها، فقد زارها صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في أبريل، وتلقى جلالة السلطان في مايو رسالة من الرئيس قاسم جومارت توكاييف تتعلق بتعزيز التعاون والاستثمار بين البلدين، وهذا التسلسل يمنح الزيارة سياقها بوصفها محطة في علاقة يجري تطويرها ومتابعة فرصها.وضم الوفد المرافق لجلالته وزيرَي المالية والتجارة والصناعة وترويج الاستثمار، ورئيس جهاز الاستثمار العُماني، فيما شهدت الزيارة انعقاد منتدى الأعمال العُماني الكازاخستاني بمشاركة أصحاب وصاحبات أعمال من البلدين. كما شملت الوثائق الموقعة مجالات اقتصادية وثقافية وتدريبية، وأكد البيان المشترك الاهتمام بتوسيع التعاون التعليمي والأكاديمي، ويشير هذا الاتساع إلى السعي لبناء علاقة تتعدد فيها مسارات التعاون، وتجد فيها المصالح الاقتصادية ما يسندها من تواصل مؤسسي ومعرفي.وتطرح هذه الوجهة، كما تطرح الشراكات مع دول غير ساحلية مثل بوتسوانا ورواندا، سؤالًا اقتصاديًا مهمًا أمام سلطنة عُمان: كيف يمكن وصل الاقتصادات الواقعة في عمق اليابسة بفرص التجارة والاستثمار عبر دولة بحرية؟ وقد أكد البيان العُماني الكازاخستاني أهمية تعزيز الترابط في النقل والخدمات اللوجستية بين آسيا الوسطى ومنطقة الخليج، وتطوير ممرات تربطها بأسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، وهنا تجد خبرة بلادنا التاريخية في الملاحة والتجارة مجالًا لتوظيفها، بالاستناد إلى موانئها وبنيتها الأساسية واتفاقياتها التجارية، وما بنته من علاقات تقوم على الثقة.والجامع بين هذه الاتجاهات هو توسيع هامش القرار الوطني، فتعدد الأسواق والشركاء يتيح للبلاد بدائل حين يتعثر مسار، ويمنح شركاتها فرصًا تتجاوز حدود السوق المحلية، ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة قيادة جلالة السلطان لهذه التحركات بوصفها توجهًا إلى ترجمة السمعة السياسية إلى قدرة اقتصادية: قدرة على الوصول والتفاوض واستقطاب الاستثمار، وإيجاد موقع أوسع للشركات العُمانية في سلاسل الإنتاج والتجارة.ويبقى الاختبار الأهم فيما يصل إلى القطاع الخاص العُماني من هذه الفرص: كم شركة ستبادر إلى اقتناصها؟ وكم مشروعًا سيجد التمويل والشريك المناسب؟ وكيف ستُقاس النتائج في الصادرات والوظائف والخبرات والعوائد؟ والإجابة تحتاج إلى متابعة منتظمة ومسؤوليات واضحة، وإلى عمل يجعل الفرص متاحة للشركات القادرة على تطويرها، ويساعدها على فهم الأسواق وشروط الدخول إليها.ولعل الخطة طويلة المدى لتعزيز نمو الميزان التجاري غير النفطي التي وجّه جلالة السلطان بإعدادها في اجتماع مجلس الوزراء يوم الثاني والعشرين من سبتمبر 2026م على أن يبدأ تنفيذها مطلع 2027م توفر إطارًا لقياس جانب من ثمار هذه التحركات؛ فقد ربطت التوجيهات بين زيادة الإنتاج المحلي، والاستفادة من موقع السلطنة وموانئها وبنيتها الأساسية والاتفاقيات الموقعة مع الدول. كما أكدت تعظيم الاستفادة من مخرجات الزيارات الخارجية لتنمية الصادرات ونمو الاقتصاد الوطني.وفي هذا المشهد، تبدو اليد العُمانية الممدودة إلى أفريقيا وآسيا تعبيرًا عن ثقة بإمكان صناعة المستقبل، حتى حين يثقل حاضر المنطقة بأزماته. أما جسور التعارف التي عرفت بلادنا كيف تبنيها مع الشعوب في الشرق والغرب، فستظهر قيمتها فيما يعبر فوقها من تجارة واستثمارات ومعرفة وفرص عمل، وهناك في حياة الناس وقدرة المؤسسات على الإنتاج والنمو، تتضح ثمرة السياسة التي تجعل التعاون طريقًا إلى الازدهار، وتمنح الشعوب أسبابًا عملية للتمسك به.الأولىشارك هذا الخبر
المصدر: أثر