هدد بوقف الإمداد.. من هو "بائع المعاول" في حمى الذكاء الاصطناعي؟
سألته مذيعة «بلومبرغ» إميلي تشانغ في لندن عما إذا كان سيوقف بيع الرقائق لمطوّر يبني ذكاءً اصطناعياً بلا مسؤولية، فأجاب جنسن هوانغ، مؤسس «إنفيديا» ورئيسها التنفيذي: «إنها فرضية، لكن نعم». ثم استدرك: «قبل ذلك، سنجري محادثات.. فتقنياتنا متعددة الأغراض». جملة قصيرة تكفي لفهم موقع الرجل في الصناعة الأكثر سخونة في العالم. فالسباق على الذكاء الاصطناعي يدور، في الظاهر، بين «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«غوغل» و«ديب سيك» على النموذج الأذكى، لكن الرجل الذي يملك، ولو نظرياً، أن يؤثر في من يستمر في هذا السباق، لا يملك نموذجاً واحداً في المنافسة.في حمّى الذهب الأمريكية في القرن التاسع عشر، يُروى أن الرابح الأكبر كان بائع المعاول الذي باع لجميع المنقّبين، أكثر من المنقّب الذي عثر على الذهب. وهوانغ هو بائع المعاول في حمّى الذكاء الاصطناعي، إذ يبيع الحوسبة لكل المتنافسين، وبيعها لهم جميعاً هو مصدر قوته. فهو لا يحتاج إلى أن يربح سباق النماذج، يكفيه أن يستمر السباق بين المتنافسين فقط.أولى ركائز هذه القوة الرقائق نفسها، فتقديرات حصة «إنفيديا» من سوق مسرّعات الذكاء الاصطناعي عالمياً تتراوح بين نحو 70% و86%، تبعاً لطريقة الحساب؛ بالإيرادات أم بالوحدات، وما الذي يُعدّ مسرّعاً أصلاً. ومهما اختلف المنهج، تبقى الشركة المورّد المهيمن بلا منازع. وتنعكس هذه الهيمنة في الأرقام، فقد بلغت إيرادات قطاع مراكز البيانات فيها مستوى قياسياً عند 75.2 مليار دولار في ربع واحد، بزيادة 92% على أساس سنوي.والركيزة الثانية أعمق وأقل ظهوراً؛ إنها منظومة «كودا» البرمجية، التي أمضت «إنفيديا» عقدين في بنائها حتى صارت الأساس الذي يقوم عليه تطوير الذكاء الاصطناعي. وحتى المحللون الذين يتوقعون تآكل حصة الشركة في سوق تشغيل النماذج يقرّون بأن «كودا» تظل عامل الارتهان العملي في مجال التدريب. فالمطوّر الذي يريد مغادرتها مضطر غالباً إلى إعادة كتابة أجزاء كبيرة من شيفرته، والتخلي عن مكتبات مضبوطة بعناية لصالح بدائل أقل نضجاً.أما الركيزة الثالثة فهي الندرة؛ فالطلب على عتاد الشركة سيفوق المعروض لسنوات بحسب هوانغ نفسه، الذي توقع أن تبيع «إنفيديا» في العام المقبل ضعف ما تبيعه هذا العام، مرجعاً ذلك إلى استثمار الدول بقوة في بنى تحتية محلية للذكاء الاصطناعي. ومن يملك سلعة نادرة يطلبها الجميع، يملك قدرة تفاوضية تتجاوز حدود السوق.ورقة جيوسياسيةتتحول هذه القوة الاقتصادية تلقائياً إلى قوة جيوسياسية. ففي الصين، قيّدت واشنطن وصول «إنفيديا» إلى الجزء الأكثر تقدماً من السوق، وخسرت الشركة مساحة واسعة لمصلحة الموردين المحليين، فبحسب بيانات «آي دي سي» التي اطلعت عليها «رويترز»، تراجعت حصتها في سوق رقائق الذكاء الاصطناعي لمراكز البيانات الصينية إلى 34% في النصف الأول من 2026، بعد انخفاض شحناتها بنسبة 44%، فيما بلغت حصة «هواوي» 28%. وقد كرر هوانغ انتقاده للقيود الأمريكية، قائلاً إنها أجبرت شركة أمريكية على التنازل لـ«هواوي» عن سوق صينية تبلغ قيمتها 50 مليار دولار.لكن اعتماد الشركات الصينية على «إنفيديا» لم يخفت؛ فهي لا تزال أكبر مورّد منفرد في تلك السوق، وقد اشترت المجموعات الصينية هذا العام أكثر من مليون رقاقة ألعاب ومحطات عمل من «إنفيديا» لسد فجوة القدرة الحاسوبية. وحين بدأت «ديب سيك» نقل نماذجها إلى رقائق «هواوي»، لم يتردد هوانغ في وصف ذلك بأنه سيكون «نتيجة مروّعة» للولايات المتحدة. فقوته لا تُقاس بما يبيعه فحسب، تُقاس أيضاً بعدد من يصعب عليهم الاستغناء عنه.هذا المشهد يكشف طبيعة القوة التي يملكها هوانغ الذي يبيع لواشنطن وحلفائها، ويحاول البيع لبكين في حدود ما تسمح به القيود، ويصطف سياسياً مع إدارة ترامب، حتى إن الرئيس الأمريكي اتصل هاتفياً بإحدى فعالياته الأخيرة. ورقائقه صارت في الوقت نفسه سلعة تجارية، وورقة تفاوض بين الدول، ومقياساً لمدى قرب أي بلد من نادي الذكاء الاصطناعي المتقدم.معركة الأمانإذا كانت قوة هوانغ الاقتصادية واضحة في الأرقام، فإن موقعه في معركة أمان الذكاء الاصطناعي أكثر التباساً، فالرجل يقف في مكان مختلف عن المختبرات التي تشتري رقائقه. ففي مقابلة مع الكاتب عزرا كلاين، قال إنه إذا أصرّت المختبرات على أن منتجاتها لا يمكن السيطرة عليها، «فعلينا إغلاق المختبرات»، مذكّراً بأنها «شركات تملك القدرة على الفعل»، وأن في وسع أي منها أن يحجب منتجاً يعتقد أنه غير آمن. وفي مقابلة مع «سي بي إس»، قال إن احتمال أن يكون عام 2030 نهاية العالم «صفر في المئة»، وإن على الصناعة أن تتقدم بأقصى سرعة، شرط ألا تطلق منتجات غير جاهزة أو غير آمنة. وهو لا يعارض القوانين بالمطلق، لكنه يتحفظ على تنظيمات جديدة ويفضّل تطبيق القائم منها.ثم جاء تصريح لندن ليضيف طبقة أخرى؛ إذ لا يرى هوانغ مستوى القلق الحالي مبرراً، ويصف مخاوف الأمان بأنها «آلام نمو» طبيعية لتقنية سريعة التطور، لكنه أعلن في الوقت نفسه استثمار 250 مليون دولار على خمس سنوات في أبحاث أمان الذكاء الاصطناعي في بريطانيا، واقترح بديلاً تقنياً عن الإبطاء يتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة الذكاء الاصطناعي. وهكذا يتحفظ على تنظيمات حكومية جديدة، لكنه يقر بأن للمورّد نفسه حدوداً أخلاقية قد تدفعه، في حالة قصوى، إلى وقف التوريد.وفي هذا الموقف منطق متماسك؛ فالأمان عنده مسؤولية الشركات قبل الحكومات، والحل في تسريع أدوات المراقبة. وهو منطق يتسق مع اتجاه أوسع في واشنطن، حيث وقّع الرئيس ترامب وقادة كبرى شركات التقنية، ومنهم هوانغ، اتفاقاً طوعياً غير ملزم يتبنى الاستعانة بمدققين خارجيين لتقييم أمان أنظمة الذكاء الاصطناعي، بديلاً عن تنظيمات حكومية جديدة. وكان هوانغ ومارك زوكربيرغ بين من دافعوا عن بقاء الأمان خياراً مؤسسياً لكل شركة.حدود القوةهذه الصورة القوية التي يظهر بها هوانغ تحتاج إلى إطار يحدّها، وإلا تحولت إلى أسطورة. فقوته، على اتساعها، تصطدم بأربعة حدود واضحة.أولها أن أكبر عملائه يبنون بدائلهم بأنفسهم: «غوغل» بوحدات المعالجة التي تصممها، و«أمازون» برقائقها للتدريب والتشغيل، و«مايكروسوفت» و«ميتا» بمسرّعاتهما الخاصة. وهي بدائل لم تُنهِ الاعتماد على «إنفيديا»، لكنها تمنح كبار المشترين طريقاً لتقليله.وثانيها أن الحظر يولّد البديل، فالقيود الأمريكية على الصين هي التي دفعت «هواوي» إلى فتح مصدر منظومتها البرمجية، ودفع «ديب سيك» إلى إعادة كتابة شيفرتها لتعمل على رقائق «أسيند». وكل باب يُغلق في وجه عميل يدفعه إلى باب آخر، قد يُخفي وراءه منافساً محتملاً لـ«إنفيديا» نفسها.وثالثها أن قوة هوانغ رهينة سلسلة توريد لا يملكها؛ فالشركة تصمم الرقائق ولا تصنعها، وحين تكون قدرات التغليف المتقدم والذاكرة مباعة بالكامل، يحدد العرضُ حجم ما يمكن بيعه، أكثر مما تحدده الحصة في السوق.ورابعها، وهو الأهم، ما يقرّ به هوانغ بنفسه؛ فحين سُئل عن قطع الإمداد، استدرك بأن «إنفيديا» لا تدير شركات الآخرين، وأن ثمة حدوداً للحكم الذي تطبقه على طريقة استخدام تقنيتها. ولم يسمِّ أي عميل، ولم تعلن شركته عن آلية رسمية لاتخاذ قرار كهذا، ما يجعل تصريح لندن تعبيراً عن رأي رئيس تنفيذي في موضع الخط الأحمر، أكثر منه تغييراً في سياسة البيع.سؤال السلطة الخاصةومع ذلك، يظل السؤال الذي فتحه تصريحه أكبر من الشركة ومن صاحبها، ففي الأسبوع نفسه الذي تحدث فيه هوانغ عن "الصنبور"، كانت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية تتحرك لاستدعاء «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» للتحقيق في حوادث أمان نماذجهما. وإذا كان النقاش العالمي يدور حول من ينبغي أن يملك سلطة ضبط الذكاء الاصطناعي، المختبرات أم الحكومات أم هيئات التدقيق، فإن هوانغ ذكّر الجميع بطرف رابع يجلس عند "منبع الصناعة".في النهاية، قد لا يكون جنسن هوانغ أذكى العقول في الذكاء الاصطناعي، ولا أكثرهم تأثيراً في شكل النماذج أو أخلاقياتها. لكنه، في هذه اللحظة من تاريخ التقنية، الرجل الذي تعتمد على تقنيات شركته نسبة كبيرة من الحوسبة التي تُدرَّب وتُشغَّل بها أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدماً. وسلطة كهذه، تُمارَس داخل شركة خاصة ولا تخضع لآليات المساءلة العامة التي تحكم سلطة الدولة، تطرح على العالم سؤالاً جديداً؛ ماذا لو كان أمان الذكاء الاصطناعي معلّقاً، في لحظة ما، بقرار تجاري؟
المصدر: البيان