لماذا توقّف معملا الذّوق والجيّه ولماذا سيعودان إلى الإنتاج؟
تتجاوز عودة ملف معملي الجية والذوق إلى الواجهة، على وقع مناقشات لجنة الأشغال العامة النيابية، بعد سؤال وجهه النائب بلال عبد الله في أيلول الماضي، في دلالاتها مسألة إعادة تشغيل وحدات إنتاجية متوقفة، إذ تفتح الباب أمام مساءلة أوسع عن كيفية إدارة قطاع الكهرباء في لبنان، وعن قدرة المؤسسات العامة على اتخاذ القرارات وتنفيذها، حتى عندما تكون الحاجة إلى نتائج ملموسة واضحة، فيما يتحمّل المواطنون كلفة العجز في الإنتاج، والتقنين في التغذية، ما يكبدهم أعباءً مالية باهظة.
والملف العالق منذ فترة بسبب خلافات تقنية وقضائية يعود إلى طاولة مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان الاثنين بعد إعادة تحريكه، علماً أن هذا التحوّل في القرار بعد مراوحة وإهمال يفرض التمييز بين وجود عقبات تقنية أو قانونية حقيقية، وتحوّل هذه العقبات إلى أسباب لاستمرار التعطيل، نتيجة بطء الإدارة أو ضعف التنسيق أو تضارب الصلاحيات والمصالح. فوجود نزاع قضائي، مثلاً، قد يفرض قيوداً على القرار، لكنه لا يلغي مسؤولية المؤسسات عن البحث في الخيارات المتاحة قانونياً، ولا يعفيها من توضيح أسباب التأخير للرأي العام.
فهل السؤال عمّا إذا كان القرار بإعادة التشغيل قد اتُّخذ، أو إذا ما كان ينبغي البحث في الظروف التي جعلت اتخاذه ممكناً الآن، بعدما ظلّ متعذّراً أو مؤجّلاً في السابق. هل تبدّلت المعطيات الفنية والقانونية؟ هل أُزيلت عقبات كانت تحول دون التشغيل؟ أم أن تحريك الملف سياسياً ورقابياً أعاد وضعه على جدول الأولويات، ودفع الجهات المعنية إلى تنسيق خطواتها؟
صحيح أن المعطيات لا تثبت بحد ذاتها وجود قرار سياسي بالتعطيل، لكنها تجعل من الضروري إخضاع مسار الملف للمساءلة، بدلاً من الاكتفاء بتبادل التبريرات بين الإدارات والجهات المعنية. فحين تتداخل الاعتبارات الفنية والقضائية والإدارية، تصبح الشفافية في تحديد المسؤوليات شرطاً أساسياً لمعرفة ما إذا كان التأخير نتيجة عوائق لا يمكن تجاوزها، أم نتيجة خلل في إدارة المرفق العام.
لا تقدم أي جهة أجوبة عن أسباب استمرار توقف معملي المحركات العكسية في الذوق والجية، رغم أن قدرتها الإجمالية تقارب 270 ميغاوات، ورغم توافر الوقود في خزاناتهما وصدور قرار عن النيابة العامة التمييزية بتاريخ 31 آذار 2026 يُلزم المشغّل بمواصلة أعمال حفظ التجهيزات إلى حين تسليمها إلى مؤسسة كهرباء لبنان، مع السماح للمؤسسة بالكشف على المنشآت والمخازن وقطع الغيار. علماً أن المسألة تكتسب أهمية اقتصادية في ظل محدودية التغذية الكهربائية الرسمية، التي تتراوح بين ساعتين وأربع ساعات يومياً، بمعدل تقريبي يبلغ 3 ساعات، فيما يأتي الجزء الأساسي من الإنتاج من معملي دير عمار والزهراني العاملين على الغاز أويل.
وتفيد تقديرات استهلاك الوقود، بأن كلفة إنتاج الكيلوواط ساعة من معملي الذوق والجية يبلغ نحو 12.3 سنتاً أميركياً، مقابل 27 سنتاً في الزهراني و31 سنتاً في دير عمار، أي متوسط يقارب 29 سنتاً للكيلوواط ساعة في المعملين الأخيرين.
وينتج تشغيل المعملين على مدار 24 ساعة نحو 6.48 ملايين كيلوواط ساعة يومياً، وهي كمية يمكن أن تتيح ساعتين إلى ثلاث ساعات تغذية إضافية. وفي سيناريو وسطي، ترتفع التغذية من 3 إلى 5.5 ساعات يومياً، أي بنحو 83%، فيما ينخفض متوسط كلفة الوقود من 29 إلى 21.4 سنتاً للكيلوواط ساعة، أي بنحو 26%.
أما مقارنة الكمية نفسها بتعرفة المولدات الخاصة البالغة 48,241 ليرة للكيلوواط ساعة في آب 2026، أي نحو 53.8 سنتاً وفق سعر صرف 89,700 ليرة للدولار، فتُظهر أن قيمتها وفق تلك التعرفة تبلغ نحو 3.49 ملايين دولار يومياً، مقابل كلفة وقود تقارب 797 ألف دولار لإنتاجها في المعملين، بفارق مرجعي يبلغ 2.69 مليون دولار يومياً، أو 80.7 مليون دولار شهرياً. ولا يمثل هذا الفارق هدراً مباشراً في المال العام، إذ تشمل تعرفة المولدات تكاليف أخرى وهوامش ربح، على ما يكشف النائب بلال عبد الله في سؤاله إلى الحكومة، مطالباً إياها بتحديد الأسباب الفعلية التي حالت دون التشغيل، والكلفة الحقيقية لإنتاج الكهرباء في المعامل المعنية، والوفر المالي الذي كان يمكن تحقيقه، والأعباء التي تحمّلها المواطنون نتيجة الاعتماد على المولدات، فضلاً عن دور النزاع المالي أو التعاقدي وتأخر التسليم في استمرار التعطيل، وعن الجهات التي اتخذت قرار إبقاء المعملين خارج الخدمة أو تسببت في استمرار الوضع، والإجراءات التي ستُتخذ لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصّرين إذا ثبت حصول ضرر كان بالإمكان تفاديه. وتقول مصادر نيابية إن الفيول الموجود حالياً يمكن أن يوفر بين ساعة وساعة ونصف من التغذية لمدة لا تقل عن ستة أسابيع، علماً أن تأمين السيولة والتمويل لشراء الفيول سيتيح رفع ساعات التغذية بين 8 و10 ساعات.
وكان مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان قد رد على ما أثير في الجلسة النيابية حول إعادة تشغيل المعملين، نافياً تحميله مسؤولية أي عطل فني قد يطرأ بفعل إعادة التشغيل، مؤكداً عدم وجود انقسامات بين أعضاء المجلس. وكان المجلس قد ناقش عرضاً تقنياً قدمته الشركة المشغلة "MEP " على أن يُعرض على جلسة تعقد الاثنين لاتخاذ القرار.
المصدر: النهار