شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل يخاف السعوديون الكتابة عن السعوديين؟

هل يخاف السعوديون الكتابة عن السعوديين؟

في المشهد الثقافي السعودي، قد يكون الكاتب حاضراً في الندوات، والجوائز، والكتب، والمنصات، لكنه يغيب حين يتعلّق الأمر بالقراءة النقدية الجادة. وفي المقابل، يبدو الحديث عن كاتب خليجي أو عربي أكثر سهولة، فالمسافة تتيح للناقد أن يقول ما يريد، من دون أن يفكر كثيراً فيما سيحدث للعلاقة بعد نشر المقال. لكن، هل المشكلة فعلاً في قلة الكتابة عن الأدباء السعوديين؟ أم أنّ الكتابة موجودة، لكنها غالباً كتابة احتفائية، مناسباتية، أو محكومة بعلاقات القرب؟ لماذا يصبح نقد الكاتب الذي نعرفه أكثر صعوبة من نقد الكاتب الذي لا نعرفه؟ الكاتبة والقارئة «سمر» رأت أنّ أحد أسباب ضعف الكتابة النقدية بين الأدباء السعوديين هو صعوبة تقبّل النقد، معتبرة أنّ بعض الأدباء يتعاملون مع النقد بوصفه موقفاً شخصياً، لا قراءة أدبية قابلة للنقاش. وقارنت سمر ذلك بما تراه في المشهد الكويتي، حيث استطاع الأديب - بحسب تجربتها- أن يعلّق على تجربة أديب آخر وينتقدها بصراحة، كما يمكن للقارئ أن يوجّه ملاحظاته السلبية إلى الكاتب، من دون أن تتحول بالضرورة إلى خصومة شخصية. واختصرت موقفها بالقول إنّ الأدباء السعوديين «يبون بس المديح»، وأنّ الكتابة عن بعضهم تظل في «زوايا المديح» وأنّها لا تتحوّل إلى قراءة نقدية تتناول جوانب القوة والضعف معاً. ومع وجاهة هذا الرأي إلّا أنّه لم يحظَ بإجماع، فثمة من رأى أنّ المشهد السعودي أكثر تنوعاً من أن يُختزل في هذه الصورة، إذ نظر الشاعر والكاتب محسن السهيمي للموضوع من زاوية أخرى مختلفة، فأشار إلى حضور لافت للكتابة عن الأدباء والكتاب المحليين في عدد من المناطق السعودية، ومنها جازان وعسير والباحة والأحساء. ولفت السهيمي إلى أنّ هذه المناطق تزخر بأعداد كبيرة من الأدباء والكتّاب والإعلاميين، وأنّ أبناءها يكثفون الكتابة عن أبناء مناطقهم ومحافظاتهم، بأشكال وطرائق متعددة. وهنا يظهر سؤال آخر: هل المشكلة في غياب الكتابة عن السعوديين عموماً، أم في طبيعة انتشارها؟ وهل تتركّز هذه الكتابة في الأطر المناطقية والمحلية، بينما يقل حضورها حين نتحدث عن المشهد الأدبي السعودي بوصفه مشهداً وطنياً عاماً؟ الكاتب والناقد مفلح البلوي قدّم شهادة أكثر مباشرة، مستنداً إلى تجربة شخصية في كتابة مقال تناول فيه شاعراً وناقداً وجهة أدبية، وجميعهم سعوديون. البلوي قال إنّ الكتابة، بالنسبة له، لم تكن مجرد ممارسة نقدية محايدة، لكنها كتابة ترافقها مجموعة من الحسابات، من بينها علاقته الشخصية بالأشخاص الذين يكتب عنهم، ومدى تقبلهم لملاحظاته، واحتمال انعكاس ما يكتبه على علاقاته المهنية، بل وعلى فرص حضوره في بعض المنابر. وأشار البلوي إلى مفارقة لافتة: فحين يكون الكاتب قريباً من الشخص الذي يتناوله، يصبح مطالباً بإثبات ابتعاده عن المجاملة، فيضطر إلى تقليص عبارات الثناء وإبراز بعض الملاحظات، حتى لا يُتهم بالمحاباة. وفي المقابل، فإنّ انتقاد مؤسسة أو جهة ثقافية قد يضع الكاتب -بحسب تجربته- في موقع «الضد»، بما قد يؤثر في علاقته بها مستقبلاً. ولهذا وصف البلوي الكتابة عن السعودي بأنها «مزلق خطر» قد يحيد عنه الكاتب خشية ما قد يترتب عليه. أحمد ناصر البشري ذهب إلى تفسير قريب، إذ رأى أنّ السبب ربما يعود إلى ضعف تقبل النقد، سواء كان سلبياً أو إيجابياً، وإلى وجود مسافات فاصلة بين الكتاب والأدباء والنقاد، هذه المسافات بحسب البشري تضع الكتابة عن الأشخاص أكثر حساسية، لأنّ الطرح النقدي قد يتجاوز النص إلى العلاقة بين صاحبه ومن يتناوله، وربما يتحول إلى «مسائل شخصية معقدة». صالح سعيد الغامدي رأى أنّ السؤال صعب، والإجابة عليه أصعب، ولفت إلى أنّ جزءاً من الإجابة يمكن ربطها بالقدسية والعرش العاجي الذي صنعه بعض الكتّاب والمبدعين حول أنفسهم، ووجدوا من يحمل لهم هذه الكراسي والعروش، فكوّنت مع الوقت عزلة نخبويّة لا يدخل فيها إلّا من هو مثله. وأكد الغامدي أنّ هذه النخبوية العاجيّة تكسّرت كراسيها أمام جرأة وسائل التواصل التي «نسّمت النفيخة» وصار الكلّ يقول: أنت أنا، وأنا أنا. طالب الدكتوراه في قسم الأدب والنقد في جامعة الملك خالد سعيد الشهري، كان له رأي مختلف، فالمبدعون الذين يستحقون أن يكتب عنهم قلّة، واستشهد بالجوائز الأدبيّة وأنّها لا تذهب إلّا لأسماء معروفة ومكرّرة، ولفت الشهري إلى أنّ هناك أدباء يستكتبون النقاد بعلاقاتهم الشخصيّة. تبدو القضية، في نهاية المطاف، أكبر من سؤال: لماذا لا نكتب عن بعضنا؟ فمعرفة أنّ النقد الأدبي لا يزدهر فقط بكثرة الكتب والدواوين والروايات، وإنما يحتاج أيضاً إلى بيئة تسمح بالقراءة والمناقشة والاختلاف، وألّا يُختزل المشهد الثقافي السعودي كلّه في غياب النقد أو هيمنة المجاملة، فهناك كتابات نقدية ودراسات وقراءات تتناول تجارب سعودية مختلفة، كما أنّ ظاهرة الكتابة المناطقية التي أشار إليها السهيمي تكشف عن وجود اهتمام واسع بالمنجز المحلي، وإن اختلفت أشكال هذا الاهتمام ومستوياته. وربما يكون السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه القضية: هل يحتاج المشهد الأدبي السعودي إلى مزيد من الكتابة عن أدبائه، أم إلى مساحة أكبر من الحرية في الاختلاف معهم؟ وهل أصبح القرب من الكاتب السعودي سبباً في الصمت عنه، بينما تمنحنا المسافة مع الكاتب الخليجي أو العربي حرية أكبر في قراءته ونقده؟

المصدر: عكاظ