شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

كيف تستثمر الجزائر في النخب الإفريقية لتعزيز نفوذها القاري؟

كيف تستثمر الجزائر في النخب الإفريقية لتعزيز نفوذها القاري؟

تحتل الجامعات موقعًا متزايد الأهمية في التنافس الدولي على النفوذ، فالدولة التي تستقبل طلبة أجانب لا تقدم لهم تكوينًا أكاديميًا فحسب؛ بل تتيح لهم الاحتكاك بمؤسساتها ومجتمعها ولغتها وثقافتها ونخبها، بما يخلق علاقات شخصية ومهنية يمكن أن تستمر بعد عودتهم إلى بلدانهم، ولهذا أصبحت المنح الدراسية وحركة الطلبة الدوليين جزءًا من أدوات الدبلوماسية التعليمية والقوة الناعمة. وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في إفريقيا، حيث لا تزال الفوارق في الوصول إلى التعليم العالي والقدرات البحثية كبيرة، في الوقت الذي يتزايد فيه الطلب على التكوين المتخصص، وتشير اليونسكو إلى أن الالتحاق بالتعليم العالي في إفريقيا جنوب الصحراء لا يزال منخفضًا مقارنة بالمناطق الأخرى، بينما تتوسع الحاجة إلى تكوين الكفاءات في مجالات الطاقة والزراعة والرقمنة والذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة. ضمن هذا السياق، تبدو السياسة الجزائرية تجاه الطلبة الأفارقة أكثر من مجرد سياسة جامعية، فهي تتقاطع مع تصور أوسع لدور الجزائر داخل القارة. أولًا: من التعاون التعليمي إلى بناء رأس المال العلائقي تاريخيًا، ارتبط الحضور الجزائري في إفريقيا بمزيج من الدبلوماسية السياسية والتضامن التحرري والتعاون جنوب–جنوب، غير أن التحولات الراهنة تفرض أدوات أكثر استدامة، لا سيما أن التأثير السياسي لا ينتج فقط عن الاتفاقيات الحكومية، بل كذلك عن العلاقات التي تتشكل بين الأفراد والمؤسسات. من هنا يمكن النظر إلى الطالب الإفريقي في الجزائر باعتباره فاعلًا مستقبليًا محتملًا داخل شبكة عابرة للحدود، وليس مجرد مستفيد من منحة. فالطالب الذي يقضي سنوات في جامعة جزائرية يتعرف إلى الإدارة والمؤسسات والأساتذة والباحثين، ويكوّن علاقات مع طلبة من دول إفريقية أخرى، ويكتسب معرفة بالمجتمع الجزائري، وعندما يعود إلى بلده، قد يحتفظ بهذه الروابط في المجال الأكاديمي أو الإداري أو الاقتصادي. ولا يعني ذلك أن كل خريج سيصبح مؤيدًا للسياسة الخارجية الجزائرية، فهذا استنتاج لا تسمح المعطيات الحالية بإثباته، الأصح هو الحديث عن رأس مال علائقي: معرفة متبادلة، وثقة، وشبكات شخصية ومؤسسية يمكن أن تتحول، في ظروف معينة، إلى تعاون أو تسهيل للعلاقات الثنائية. وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للتعليم بوصفه أداة نفوذ. ثانيًا: الجزائر تراكم استثمارًا طويل الأمد في الكفاءات الإفريقية تظهر المعطيات الرسمية حجمًا لافتًا لهذا الاستثمار، فقد أعلنت الجزائر في المؤتمر القاري حول التعليم في ديسمبر 2024 أنها دعمت تكوين نحو 65 ألف إفريقي، مع الإعلان عن توفير 2500 منحة سنوية للتعليم العالي والتكوين المهني. ولا ينبغي قراءة الرقم باعتباره عدد الطلبة الموجودين حاليًا في الجامعات الجزائرية، بل باعتباره حصيلة تراكمية للتكوين والدعم التعليمي منذ الاستقلال، وهذه نقطة منهجية مهمة، لأن الخلط بين التدفق السنوي والمخزون التراكمي يمكن أن يؤدي إلى تضخيم تقدير التأثير الجزائري. كما أن الجزائر تعمل على تطوير نموذج أكثر تنوعًا لاستقطاب الطلبة الدوليين، ففي فبراير 2026 أطلقت وزارة التعليم العالي دورة جديدة من برنامج «Study in Algeria»، وأوضحت أن الدورة الأولى مكنت من استقبال نحو 415 طالبًا دوليًا من إفريقيا وأوروبا وآسيا خارج نظام المنح التقليدي، وفق صيغة تعاقدية. وتكشف هذه الخطوة عن تحول مهم: فالتدويل الجامعي الجزائري بدأ ينتقل تدريجيًا من منطق المساعدة التعليمية إلى منطق أكثر مؤسسية يجمع بين التعاون الأكاديمي، والاستقطاب الدولي، وتنويع مصادر تمويل الجامعات. لقد مثّلت الجامعات والمعاهد الجزائرية خلال السنوات الماضية حاضنةً استراتيجية لصناعة النخب الإفريقية، حيث تخرّج منها وزراء وسفراء ومستشارون بارزون في السياسة، والطاقة، والاقتصاد، والإدارة، من دول الساحل وغرب ووسط إفريقيا، مثل النيجر، و جمهورية الكونغو، وتشاد، و أنغولا، و موزمبيق، وموريتانيا، والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ومالي. ويبرز هنا بين هذه الكوادر وزير الخارجية المالي الحالي، عبد الله ديوب، الذي تخرج من المدرسة الوطنية للإدارة (ENA). ثالثًا: تلمسان بوصفها عقدة في الدبلوماسية الجامعية الجزائرية تقدم جامعة تلمسان نموذجًا واضحًا لهذا التحول، ففي فبراير 2025، أفادت وزارة التعليم العالي بأن الجامعة تستقبل أكثر من 500 طالب من أكثر من 35 دولة، معظمهم من إفريقيا، كما وصفتها الوزارة بأنها من الجامعات الجزائرية الرائدة في استقبال الطلبة الدوليين. ولا تقتصر أهمية تلمسان على حجم الطلبة، بل ترتبط أيضًا بطبيعة التخصصات والمؤسسات الموجودة فيها، فالمعهد الإفريقي الموجود بالجامعة يوفر تكوينات في مجالات مثل الطاقات المتجددة والبيئة والاقتصاد المستقبلي، وهي مجالات ذات أهمية مباشرة بالنسبة لأجندة التنمية الإفريقية. الأكثر أهمية هو احتضان تلمسان لمعهد PAUWES التابع للجامعة الإفريقية، والمتخصص في علوم المياه والطاقة وتغير المناخ. وفي 30 مارس 2026، تخرج من المعهد 76 طالبًا من 37 دولة إفريقية في برامج ماجستير شملت المياه والطاقة وتغير المناخ، بتخصصات هندسية وسياساتية، وشكلت النساء 31 من الخريجين، أي نحو 41%، كما حضرت مراسم التخرج وفود دبلوماسية وممثلون عن الاتحاد الإفريقي وشركاء دوليون. هذه الحالة ذات دلالة استراتيجية، لأنها تنقل التعاون من المجالات العامة إلى قطاعات حيوية تمثل تحديات مركزية أمام الدول الإفريقية: أمن المياه، الطاقة، التحول المناخي والقدرة على صياغة السياسات العامة. رابعًا: لماذا يمكن أن تتحول الجامعة إلى أداة نفوذ؟ يمكن تحديد آلية التأثير في أربع مراحل مترابطة: الاستقطاب → التكوين → الشبكة → التأثير المؤسسي. في المرحلة الأولى تستقطب الجزائر الطلبة من دول مختلفة، وفي الثانية توفر لهم تكوينًا أكاديميًا ومهنيًا. أما الثالثة فتتعلق بالروابط التي تتشكل أثناء الدراسة بين الخريجين والأساتذة والمؤسسات، وفي الرابعة يمكن أن تتحول هذه الروابط إلى مشاريع بحثية، وشراكات جامعية، واستثمارات، واتصالات حكومية أو مهنية. وتؤكد التجربة الإفريقية الأوسع أن الاعتراف بالشهادات والتنقل الأكاديمي أصبحا عنصرين أساسيين في بناء فضاء جامعي إفريقي أكثر تكاملًا، وقد وضعت اتفاقية أديس أبابا للاعتراف بالمؤهلات إطارًا لتسهيل الاعتراف بالشهادات وتعزيز حركة الطلبة والباحثين وأعضاء هيئة التدريس داخل القارة. وبالتالي، فإن قيمة الطالب الإفريقي بالنسبة للجزائر لا تتوقف عند سنوات الدراسة؛ بل تبدأ أهميتها الاستراتيجية بعد التخرج. إذا تمكنت الجزائر من بناء قاعدة بيانات فعالة للخريجين، وتنظيم منتدى سنوي للنخب الإفريقية المتخرجة من الجامعات الجزائرية، وإطلاق منح بحثية للخريجين، وتشجيع المشاريع المشتركة، فإن الاستثمار التعليمي يمكن أن يتحول إلى شبكة نفوذ مؤسسية أكثر استدامة. خامسًا: من المنحة إلى دبلوماسية الخريجين تحتاج الجزائر إلى الانتقال من مفهوم الطالب الدولي إلى مفهوم الخريج كشريك طويل الأمد. وهذا يتطلب إنشاء آلية وطنية لـ«دبلوماسية الخريجين» تتضمن: 1. قاعدة بيانات موحدة للخريجين الأفارقة. 2. تحديد مواقعهم المهنية والأكاديمية بعد التخرج. 4. تمويل مشاريع بحثية مشتركة يقودها خريجون. 5. ربط الخريجين بالسفارات الجزائرية والجامعات والغرف الاقتصادية. 6. إطلاق منتدى سنوي للنخب الإفريقية المتخرجة من الجزائر. 7. توجيه جزء من المنح نحو القطاعات التي تحتاجها إفريقيا مستقبلًا: المياه، الطاقة، الصحة، الأمن الغذائي، الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. وتزداد أهمية هذا المسار في ضوء التحول العالمي نحو الاعتراف بالمؤهلات والتنقل الأكاديمي، فاليونسكو تعتبر الاعتراف بالشهادات وسيلة لتسهيل الحركة الأكاديمية وتعزيز التعاون بين المؤسسات، بينما تؤكد اتفاقية أديس أبابا على دور التعليم العالي في التكامل القاري. سادسًا: البعد الثقافي والسياسي للتدويل الجامعي لا تعمل الجزائر على البعد الأكاديمي وحده، ففي يوليو 2026 احتضنت الجزائر العاصمة النسخة الأولى من المهرجان الإفريقي–الجزائري للمسرح الجامعي بمشاركة مؤسسات من 16 دولة إفريقية، ووصفت وزارة التعليم العالي المبادرة بأنها أداة للدبلوماسية الثقافية وتعزيز الروابط بين الشعوب الإفريقية. وتكشف هذه المبادرة عن توسع مفهوم الجامعة في السياسة الخارجية الجزائرية: الجامعة ليست فضاءً للتدريس فقط، بل منصة للثقافة والحوار والتواصل بين الشباب الأفارقة. وهي أكثر قدرة على إنتاج نفوذ ناعم مستدام من المنحة الدراسية وحدها. سابعًا: حدود السياسة ومخاطر المبالغة في تقدير النفوذ رغم أهمية هذه الأدوات، ينبغي تجنب المبالغة في تقدير نتائجها. فارتفاع أعداد الطلبة الأفارقة لا يعني تلقائيًا ارتفاع النفوذ السياسي الجزائري. هناك ثلاثة شروط لازمة لتحويل الاستثمار التعليمي إلى تأثير فعلي: فالنفوذ لا يمكن أن يقوم طويلًا على الكم إذا لم تقترن الأعداد بجودة أكاديمية وبحثية معترف بها. الطالب الذي يعود إلى بلده وينقطع تمامًا عن الجامعة الجزائرية لا يمثل شبكة نفوذ مستدامة. القيمة الاستراتيجية تظهر عندما تتحول العلاقات الأكاديمية إلى مشاريع بحثية، واستثمارات، واتفاقيات، واستشارات، وشراكات مؤسسية. ومن ثم، فإن المؤشر الحقيقي لنجاح السياسة الجزائرية ليس عدد الطلبة وحده، بل عدد الخريجين الذين حافظوا على روابط مؤسسية مع الجزائر، ونوعية المواقع التي يشغلونها، وعدد المشاريع التي نشأت من شبكاتهم. استنادًا إلى هذه المعطيات، تملك الجزائر عناصر مهمة لبناء نموذج إفريقي خاص من الدبلوماسية التعليمية. فالتراكم التاريخي، والعدد الكبير من الأفارقة الذين استفادوا من التعليم والتكوين، والمنح السنوية، واستقبال الطلبة الدوليين، ووجود مؤسسات قارية مثل PAUWES في تلمسان، كلها توفر قاعدة مادية لبناء نفوذ طويل الأمد. لكن الجامعة لا «تصنع قادة إفريقيا» بصورة آلية. الأدق أنها تساهم في تكوين شبكات من الكفاءات والنخب الإفريقية التي يمكن أن تصبح، بمرور الزمن، جزءًا من رأس المال العلائقي للجزائر. وعليه، فإن التحدي الجزائري خلال الفترة 2026–2030 ليس زيادة أعداد الطلبة فقط، بل بناء منظومة متكاملة تبدأ بالاستقطاب والتكوين وتنتهي بإدارة شبكة الخريجين والبحث العلمي والتعاون الاقتصادي والثقافي. إذا نجحت الجزائر في هذه النقلة، فإن جامعاتها يمكن أن تتحول من مؤسسات تستقبل الطلبة الأفارقة إلى عقد استراتيجية لشبكة معرفية وقارية عابرة للحدود، أما إذا بقي التركيز على أرقام المنح والاستقبال دون إدارة ما بعد التخرج، فسيظل الأثر السياسي والاستراتيجي للتعليم أقل بكثير من إمكاناته. 1. African Union (AU). (2024). African Leaders Rally Behind Education Reform at Continental Conference in Nouakchott. African Union, 10 December 2024. 2. African Union (AU). (2026). Pan African University Graduates 76 Students from 37 African Nations at PAUWES 10th Graduation Ceremony in Tlemcen. African Union, 30 March 2026. 3. Ministry of Higher Education and Scientific Research of Algeria (MESRS). (2025). Mr. Kamel Baddari’s Visit to Tlemcen: Algeria Set to Emerge as a Preferred Destination for International Students, Particularly Those from Arab and African Countries. February 2025. 4. Ministry of Higher Education and Scientific Research of Algeria (MESRS). (2026). Mr. Kamel Baddari Launches the Second Registration Session for the “Study in Algeria” Program. 15 February 2026. 5. Ministry of Higher Education and Scientific Research of Algeria (MESRS). (2026). Minister of Higher Education and Scientific Research Presides over the Opening of the First Edition of the Algerian-African University Theatre Festival. July 2026. 6. UNESCO. (2014). Revised Convention on the Recognition of Studies, Certificates, Diplomas, Degrees and Other Academic Qualifications in Higher Education in African States. Addis Ababa, Ethiopia, 12 December 2014. دخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 15 December 2019. 7. UNESCO. (2026). Higher Education Regional Conventions. UNESCO. 8. UNESCO. (2026). Global Convention on Higher Education. UNESCO. 9. Ministry of Higher Education and Scientific Research of Algeria (MESRS). Study in Algeria. Official platform. 10. African Union (AU). Pan African University (PAU). Official institutional resources. 11. UNESCO. Algeria – Conventions. UNESCO Country Profile. ويظهر في السجل الرسمي أن الجزائر طرف في عدد من اتفاقيات اليونسكو ذات الصلة بالتعليم العالي، ومنها اتفاقية الاعتراف بالدراسات والشهادات والمؤهلات في الدول الإفريقية.

المصدر: الشروق