شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الأرض والزيتون يُلخّصان قصة البقاء الفلسطيني

الأرض والزيتون يُلخّصان قصة البقاء الفلسطيني


لعل الصراع على الأرض، يلخّص قصة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، الطويلة والمديدة والمريرة، أكثر من أي أمر أخر، بحكم طبيعة المشروع الصهيوني، الاستيطاني الإحلالي العنصري، منذ ولادته في أواخر القرن التاسع عشر، والذي يتركز على إزاحة الفلسطينيين، أو إخفائهم، أو محوهم، من المكان/الأرض، والزمان/التاريخ، والمعنى/الحضور، بالمعنيين المعنوي، والحرفي، وهو ما تجلّى في النكبة الأولى (1948) والنكبة الأخيرة المستمرة (2023 وحتى الآن).

وكان الشعراء والروائيون والفنانون الفلسطينيون، طوال القرن الماضي، قد تغنّوا بأرض بلادهم، بأشجارها وثمارها ونباتاتها، بزيتونها وبرتقالها وعنبها وصبارها وزعترها وورودها، وزينوا لوحاتهم بها. ويأتي ضمن ذلك، مثلاً، محمود درويش في ديوان "أوراق الزيتون"، وقصيدة "أحمد الزعتر" في ديوانه "أعراس"، وديوانا عز الدين المناصرة "لن يفهمني أحد غير الزيتون" و "يا عنب الخليل"، وغسان كنفاني في قصة "أرض البرتقال الحزين"، وسحر خليفة في رواية "الصبار"، وسامية عيسى في "حليب التين"، مع أغاني فرقة "العاشقين"، "والله لازرعك بالدار يا عود اللوز الأخضر... يا لوز الأخضر نادي فلسطين الخضرا بلادي"، وهي للشاعر أحمد دحبور، و"ياتوتة الدار صبرك عا الزمان ان جار ...لا بد ما نعود مهما طول المشوار" وهي مغناة للشاعر الشعبي أبو عرب، وأغنية الدلعونا: "على دلعونا وعلى دلعونا، زيتون بلادي أطيب ما يكونا"، التي باتت جزءاً من التراث الشعبي.

بيد أن التغني بالزيتون كان هو الغالب في الرواية والشعر والفن، لدلالاته الرمزية الغنية، والمتعددة. فهو دلالة على التشبث بالجذور، والاستمرارية عبر الأجيال، وهو دلالة اللون الأخضر، لون الخصب، والجمال، أي أن الزيتون دلالة على رسوخ الفلسطينين بأرضهم، في الزمان، في الماضي والحاضر، رغم تقلب الأوضاع.

ربما لهذه الأسباب، أو الدلالات، كلها ركزت السياسات الإسرائيلية على تجريف أشجار الزيتون، خصوصاً أنها مصدر عيش لكتلة كبيرة من الفلاحين الفلسطينيين، وضمن ذلك يأتي تركيز المستوطنين الذين يحاولون اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، أو تصعيب عيشهم فيها.

وبحسب الإحصائيات الرسمية الفلسطينية، تضرر خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 من أشجار الزيتون في الضفة الغربية أكثر مما تضرر خلال عام 2025 بأكمله: نحو 100,000 زيتونة مقابل 91,000.

الملاحظ هنا تصعيد الهجمات على مناطق أشجار الزيتون في مواسم الحصاد، مع ما يخلقه ذلك من استهداف للمزارعين، في حياتهم وممتلكاتهم وفي جنى تعبهم من الزيتون، كل عام، علماً أنها اعتداءات تقوم بها عصابات المستوطنين المتطرفين الذين باتوا ميليشيا مسلحة، تحت تغطية الجيش الإسرائيلي، وهو ما يحصل يومياً في فترات الحصاد، في مناطق رام الله ونابلس والخليل وجنين وطولكرم، في طول الضفة وعرضها.

يفترض التنويه هنا إلى أن التعرض لأشجار الزيتون المزروعة من مئات أو عشرات السنين، بالقطع أو الحرق أو إتلاف المحاصيل، تعني، أيضاً، تخريب البيئة، وتدهور حالة الغطاء النباتي، وتهديد التربة، والتنوع الحيوي، فضلاً عن أنه يهدد مصادر دخل المزارعين، بل يهدد حياتهم، واستقرارهم، مع صعوبة إعادة احياء ما يتم تخريبه أو تجريفه.

في كل الأحوال، بات الصراع على الأرض، وحماية الثروة الفلسطينية المتمثلة بأشجار الزيتون، جزءاً من سيرة الكفاح الفلسطيني، سنوياً، وبات لها مكانتها في الإطارين السياسي والثقافي، كما قدمنا، عدا عن مكانتها في وجدان وذاكرة الفلسطينيين، حيث لا يعلو شيء على الزيتون، والزيت الفلسطيني، إلى جانب البرتقال اليافاوي، والصبار الغزاوي، والعنب الخليلي، والزعتر في جبال فلسطين، كناية عن التمسك بالأرض، وبذاكرة الأجيال، والعناد والصمود في وجه سياسات الاقتلاع والازاحة والنفي التي تنتهجها إسرائيل ضد الفلسطينيين.

باختصار، باتت أشجار الزيتون تعبر عن تجذر الفلسطينيين في أرضهم، وعن صبرهم في هذا الزمان، ومحرضاً على صمودهم، وموضع فخرهم، فهي تحكي حكايتهم.

المصدر: النهار