زيتون فلسطين: موسم قطاف بالدم!
تربط الفلسطينيين بشجرة الزيتون علاقة راسخة تصل إلى حدّ القداسة، وتجسّد ارتباطهم بالأرض. وفي الثقافة الفلسطينية، اكتسبت هذه العلاقة بُعداً آخر، فتحوّلت الشجرة إلى رمز للصمود والوجود والبقاء.
وبات موسم القطاف السنوي حدثاً ثقافياً واجتماعياً بارزاً يتفاعل معه المجتمع بأكمله. فمكانة الزيتون لا تقتصر على المطبخ، إذ يشكّل جزءاً أساسياً من الاقتصاد المحلي، وتمثّل ثماره وزيته مورداً مادياً لأغلب الأسر. كما يُصدَّر الإنتاج إلى الخارج، حيث يحظى بمكانة بارزة وينافس على مراكز متقدمة بين أفضل المنتجات عالمياً.
هل تخيّلت يوماً أن تأكل الزعتر من دون زيت الزيتون البكر؟ وأن تخلو مائدتك، صباحاً ومساءً، من طعمه ورائحته، ومن حبّات الزيتون السمراء والخضراء؟ وأن تُحرم، خلال فترات الانقطاع والصوم، الأطباق التي تُطهى حصراً بزيت الزيتون؟ هذا ما يشعر به الفلسطينيون هذا العام، مع اشتداد هجمات المستوطنين وتعذّر وصولهم إلى أراضيهم وحقولهم المزروعة بآلاف أشجار الزيتون.
الزيتونة تشبه أصحابها
تُنبئك أشجار الزيتون، من دون أن تتكلّم، بأنك قريب من بيت أو قرية فلسطينية. أينما تنقّلت في الضفة الغربية، من شمالها إلى جنوبها، تجدها حولك، بأعمار تمتد مئات السنين وآلافها. تشبه أصحابها؛ فكلّما تعرّضت لضغوط وظروف جوية قاسية، من برد شديد وحرارة مرتفعة، أنتجت ثماراً متميّزة، يلسع زيتها لسانك بحرارته عند تذوّق أول عصرة.
ولا يتوقّف الشبه عند ذلك. فعلى مدار سنوات الاحتلال الإسرائيلي التي باتت تقارب الثمانين، تعرّضت الأشجار، كما أصحابها، للاقتلاع والحرق والقطع. لكن بذورها لطالما نجحت في شقّ الأرض والإنبات من جديد.
رافقت "النهار" الفلّاح الفلسطيني مصطفى الطل إلى أنقاض قريته التاريخية، خربة زنوتة، الواقعة في مسافر يطا، أقصى جنوب الخليل. هناك، هُدم بيته واقتُلعت قسراً أكثر من 80 شجرة من حقله، في مجزرة طالت الشجر والحجر، ارتكبها المستوطن يانون ليفي قبل ثلاثة أعوام.
عند صعودنا التلّة الصغيرة واقترابنا من أرضه، بدأت الدموع تنهمر على وجنتيه. فقد نبتت أشجار صغيرة تنبض بالحياة، وكأنها، رغم كلّ شيء، ترفض الموت والاندثار.
وقال إنهم حرموه محصوله وما يوفّره من دخل إضافي، وحالوا دون استمتاعه بإنتاج أرضه، لكن مشيئة الله أقوى.
ومنذ القدم، تتردّد بين الفلّاحين مقولات مفادها أن من يهمل أشجاره ولا يرعاها ويقلّمها، تموت أشجاره. وغالباً ما تُستخدم هذه المقولات لتشبيه علاقة الفلّاح بمزروعاته بعلاقة الأب بأبنائه، وكأنها تعكس استجابة الطبيعة ومعرفتها بأصحابها الحقيقيين، الذين أفنوا سنوات من أعمارهم وبذلوا جهودهم لحمايتها.
الحرب على الزيتون
وفقاً لهيئة مقاومة الاستيطان والجدار، سُجّل 136 اعتداءً على قاطفي الزيتون، وسقط ثلاثة شهداء، منذ مطلع تشرين الأول الجاري.
وشملت الحصيلة 92 اعتداءً مباشراً على القاطفين أو منعاً لهم من الوصول إلى الأراضي والقطاف، بينها 59 اعتداءً نفّذها مستوطنون، و19 بمشاركة الجيش، و14 نفّذها الجيش. كما سُجّلت 45 واقعة سرقة للمحصول أو إتلاف لأشجار الزيتون.
وتنوّعت الاعتداءات بين الضرب والطرد والترهيب وإطلاق النار والغاز والاعتقال، إلى جانب سرقة الثمار ومعدّات القطاف وتخريب الأشجار، بما يلحق الضرر بالمزارعين ويقيّد وصولهم إلى أراضيهم واستكمال موسمهم.
وترى الهيئة أن هذه الأرقام تكشف ارتفاع وتيرة الاعتداءات واتّساع استهداف المزارعين ومحاصيلهم، وتحويل موسم القطاف إلى مناسبة متكرّرة للعنف ومنع الوصول إلى الأرض وتقويض مصادر الرزق، بما يعمّق الضغط على الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة، ويفتح المجال لتوسيع السيطرة الاستعمارية.
وبحسب وزارة الزراعة الفلسطينية، تجاوزت خسائر المحصول 157 مليون دولار منذ عام 2023، فيما تضرّرت نحو 286 ألف شجرة زيتون في الضفة الغربية خلال الفترة نفسها.
وأدّى الاستيلاء على مساحات جديدة من الأراضي وإقامة البؤر الاستعمارية إلى حرمان أعداد متزايدة من المزارعين الوصول إلى أراضيهم، وفقدان جزء من إنتاج الزيتون الذي يشكّل مصدراً رئيسياً للدخل في العديد من القرى والبلدات الفلسطينية.
وفي قطاع غزة، فُقد أكثر من 90% من أشجار الزيتون منذ بداية الحرب عام 2023، من أصل نحو مليوني شجرة، إلى جانب تدمير جزء كبير من البنية التحتية المرتبطة بهذا القطاع. وكان إنتاج غزة من زيت الزيتون يبلغ نحو ألفي طن سنوياً.
وتشير بيانات الوزارة إلى أن إنتاج زيت الزيتون في فلسطين خلال الموسم الحالي مرهون بقدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وقطف ثمارها، في ظل حرمانهم الوصول إلى نحو 250 ألف دونم، أي ما يعادل، بحسب البيانات، 30% من إجمالي المساحات المزروعة بالزيتون في الضفة الغربية، والبالغة نحو 750 ألف دونم. ويُتوقّع أن يصل الإنتاج إلى 21 ألف طن من زيت الزيتون، إذا نجح المزارعون في الوصول إلى أراضيهم.
من الإنتاج إلى الشراء
يتجسّد ما تكشفه هذه البيانات في واقع أهالي قرية برقة، شرق رام الله، البالغ عددهم ثلاثة آلاف نسمة، بعدما أغلق الجيش الإسرائيلي الحقول أمام المزارعين بأوامر عسكرية.
وقال رئيس المجلس القروي صايل كنعان لـ"النهار" إن الموسم هذا العام سيكون معدوماً، موضحاً أن 90% من أراضي القرية تقع في المنطقة "سي"، الخاضعة للسيطرة الإدارية والأمنية الإسرائيلية، فيما تقع نسبة الـ10% المتبقية قرب منازل الأهالي.
وأضاف أن تصاعد بناء البؤر الاستيطانية والرعوية وانتشارها في محيط القرية، حتى بلغ عددها سبعاً، أدّى إلى منع المواطنين حتى من قطاف الزيتون القريب من منازلهم، فضلاً عن اقتلاع الأشجار وحرقها وتقطيعها.
ولفت كنعان إلى أن القرية كانت تنتج أكثر من ألف غالون من الزيت، سعة الواحد منها 16 ليتراً، ويبلغ سعره 250 دولاراً، لكنها لن تتمكّن هذا العام من إنتاج 10% من تلك الكمية.
وأشار إلى أن أرضه، البالغة مساحتها نحو 300 دونم، كانت تنتج ما يقارب 60 غالوناً في الموسم، وأن بيع الزيت كان يؤمّن دخلاً ثابتاً للعائلة، ويساعده في تعليم أبنائه الثمانية جامعياً. أما اليوم، فبالكاد تنتج أرضه غالونين، ويضطر إلى شراء الزيت من خارج القرية.
المصدر: النهار