يامال يزاحم هاري كين على الكرة الذهبية... هل قدّم ما يكفي للفوز بالجائزة؟
لامين يامال يراهن على المهارة والتأثير في المباريات، في حين يستند هاري كين إلى أرقام تهديفية استثنائية في سباق يبدو أكثر تقارباً من أي وقت مضى. لم يتبقَّ سوى ما يزيد قليلاً على أسبوعين قبل الكشف عن الفائز بالنسخة السبعين من جائزة الكرة الذهبية، لكن السباق على الجائزة المرموقة يبدو أنه شهد تحولاً غير متوقع. فوفقاً لمعظم شركات المراهنات، أصبح لامين يامال، نجم برشلونة، مرشحاً أول للفوز بجائزة أفضل لاعب في العالم، بالتساوي مع هاري كين، خلال الحفل المقرر إقامته في لندن في وقت لاحق من الشهر الحالي، في سابقة هي الأولى من نوعها بإقامة الحفل خارج فرنسا. وانضم يامال إلى كين، الذي وُلد على بُعد أقل من 10 أميال من مسرح «لندن بالاديوم» المستضيف للحفل، في صدارة قائمة المرشحين. ويأمل مهاجم بايرن ميونيخ في أن يصبح خامس لاعب إنجليزي يفوز بالجائزة، بعد أن كان ستانلي ماثيوز، لاعب بلاكبول، أول المتوّجين بها عام 1956. وضع معايير موضوعية للحكم على استحقاق لاعب لهذه الجائزة ليس مهمة سهلة، بل يُثير كثيراً من الجدل، ويكشف سريعاً عن تشابك وجهات النظر والتفسيرات التي تقف وراء الترتيب النهائي لكل لاعب. تاريخياً، لعبت الأهداف والتمريرات الحاسمة والبطولات دوراً كبيراً في تحديد الفائز، لكن السؤال هو: أي الأهداف والتمريرات والبطولات أكثر أهمية؟ وإلى أي مدى؟ وماذا عن لاعبين مثل رودري ولوكا مودريتش وفابيو كانافارو الذين أسهموا في مواسم تاريخية بطرق يصعب قياسها بالأرقام، سواء من خلال الطاقة التي يمنحونها للفريق، أو القيادة، أو التحكم الاستثنائي في إيقاع اللعب، أو توفير التوازن والاستقرار؟ وماذا لو كنا، بصفتنا بشراً، نحمل تحيزاً جمالياً غير واعٍ عند اتخاذ القرار، فنميل تلقائياً إلى استبعاد مهاجم قوي ومباشر يعتمد على الالتحامات البدنية، فيما يلفت انتباهنا جناح خفيف الحركة يمتلك مهارات استثنائية؟ لكن مع اقتراب موعد الإعلان عن الفائز، وفي ظل الفوارق الضئيلة بين المرشحين، ماذا تقول الأرقام؟ هناك نقطة مهمة يجب تذكرها، وهي أن فترة التقييم الرسمية للجائزة هذا الموسم تمتد من الثالث من أغسطس (آب) 2025 إلى 19 يوليو (تموز) 2026. أي من البداية الرسمية للموسم التنافسي للأندية 2025-2026 وحتى صافرة نهاية المباراة النهائية لكأس العالم في نيوجيرسي، وهذا يعني أن البداية المذهلة التي قدّمها يامال في الموسم الحالي، بعدما سجّل 8 أهداف، وصنع 6 أخرى خلال آخر 6 مباريات بدأها أساسياً في الدوري الإسباني، لم يكن من المفترض أن تؤثر على التصويت، الذي أُغلق يوم الاثنين 29 سبتمبر (أيلول). ويمتلك كل من كين ويامال القدرة على تغيير مجرى المباريات، لكن بطريقتين مختلفتين تماماً. يجسد كين الكفاءة أمام المرمى، بقدرته المستمرة على تسديد الكرة بصورة نظيفة ودقيقة نحو زوايا الشباك، مع احتفاظه بالقدرة على التراجع إلى العمق وإرسال تمريرات طويلة ومتقنة إلى مختلف مناطق الملعب. أما يامال فهو أقرب إلى اللاعب الفردي المبدع؛ جناح مبتكر لا يمكن التنبؤ بتحركاته، ولا يمانع في تحمل العبء الإبداعي لفريقه. وتنعكس هذه الأدوار المختلفة بوضوح في الإحصاءات الخاصة باللاعبين خلال فترة التصويت، وفي جميع المسابقات. يتفوق كين بوضوح على يامال، البالغ من العمر 19 عاماً، في الإنتاج الهجومي المباشر، إذ يسجل أهدافاً بمعدل يزيد على ضعف معدل اللاعب الإسباني. كما حافظ كين طوال الموسم على متوسط استثنائي بلغ 1.4 مساهمة تهديفية، تسجيلاً وصناعة، في المباراة الواحدة، وهو أعلى معدل لأي لاعب في الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى. أما يامال فيتميّز بغزارة صناعة الفرص، وسعيه المستمر لمراوغة المدافعين والتقدم بالكرة إلى منطقة الجزاء من خلال انطلاقاته المليئة بتغيير الاتجاه والمراوغات المتلاحقة. ومع ذلك، قد يكون من الصعب التعبير عن التأثير الحقيقي ليامال بالأرقام وحدها. في مقال نشره عبر شبكة «The Athletic» خلال الصيف، أشار تشافي هيرنانديز، لاعب برشلونة ومدربه السابق، إلى أن خطورة يامال على الجناح تشبه المغناطيس؛ إذ تجذب إليه أكثر من لاعب من الفريق المنافس في محاولة لمنعه من التسلل بالكرة إلى المناطق الخطيرة. وكتب تشافي، الذي يشغل حالياً منصب مدرب المنتخب الهولندي: «عندما يكون في مواجهة لاعب واحد ضد واحد، يصبح إيقافه شبه مستحيل». وأضاف: «أكبر مخاوف المنافسين عندما يواجهون لامين هي السماح له بالدخول في موقف واحد ضد واحد. إذا كنت مدافعاً، فأنت تحتاج إلى مساعدة أمامه، ولامين يعرف ذلك». لكن خطورة يامال لا تتوقف عند قدرته على التفوق على المدافعين. وأوضح تشافي: «لامين ذكي، سيفكر قائلاً: لحظة واحدة، إذا كان هناك 3 لاعبين يراقبونني فلا بد أن هناك مساحة على الجناح الآخر، أو لاعباً حرّاً في مكان ما». وتابع: «عندما يجذب هؤلاء المدافعين نحوه فإنه يفتح المساحات لزملائه. يامال يعرف أنه يستطيع مساعدة الفريق حتى عندما يراقبه 3 مدافعين، ويكون دائماً مستعدّاً لاتخاذ قرار التمرير». هذا الفهم العميق للعبة، إلى جانب قدرته على تغيير الاتجاه وإخفاء نواياه بصورة استثنائية، يجعل قراءة تحركات يامال أمراً بالغ الصعوبة. وقال تشافي: «كرة القدم كلها تقوم على الخداع؛ أن تنظر في اتجاه وتمرر في الاتجاه الآخر، وأن توهم المدافع بأنك ستذهب يساراً ثم تتحرك سريعاً إلى اليمين، وأن تتلاعب بالمنافس وتخدعه لفتح تلك المساحات الصغيرة». وأضاف: «لامين مخادع بالفطرة، إنه ساحر. من الصعب التنبؤ بما سيفعله بعد ذلك، لأنه يخفي كل شيء بحركة جسده». واستشهد تشافي بإحدى تمريرات يامال أمام إسبانيول. وقال: «قوة التمريرة ووزنها هنا مثاليان، إنها عملياً بمثابة هدف، لكن انظر إلى وضعية جسده لحظة إخراج الكرة من قدمه». وتابع: «كان بإمكانه واقعياً أن يحول الكرة إلى قدمه اليمنى، أو يدخل إلى العمق، أو يمرر. وبالنسبة إلى المدافع الذي يتحرك بأقصى سرعة، فإنه يظل يخمن حتى اللحظة الأخيرة». خلال موسم هيمن فيه برشلونة على الدوري الإسباني، حُسمت مباريات عديدة بفضل لحظات التألق الفردي ليامال. وكان من أبرزها تسجيله ثلاثية أمام فياريال، إلى جانب أهداف حاسمة وتمريرات صنعت الانتصار أمام أتلتيك بلباو وريال سوسيداد وليفانتي. ورغم أن برشلونة لم ينجح في تعويض تأخره بهدفين دون ردٍّ أمام أتلتيكو مدريد في دوري أبطال أوروبا، فإن أداء يامال في مباراة الإياب على ملعب «ميتروبوليتانو» كان، على الأرجح، من بين أفضل عروضه. فقد حمل العبء الهجومي لفريقه بصورة شبه فردية، وواجه لاعبي أتلتيكو ونحو 70 ألف مشجع أطلقوا صافرات الاستهجان ضده. وخلال الموسم الماضي، كان يامال مسؤولاً عن 37.6 في المائة من محاولات المراوغة وتجاوز المنافسين التي قام بها لاعبو برشلونة في الدوري الإسباني. وكانت هذه النسبة الأعلى بفارق كبير لأي لاعب، مقارنة بإجمالي محاولات فريقه في الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى. ولا يوجد شك كبير في أن يامال أصبح واحداً من أفضل لاعبي العالم، لكن الحجم الهائل للأرقام التي حققها هاري كين يجعل تجاهله أمراً مستحيلاً. فقد سجّل المهاجم الإنجليزي 50 هدفاً في الدوري الألماني ودوري أبطال أوروبا بقميص بايرن ميونيخ خلال الموسم الماضي، بمعدل بلغ 1.3 هدف في المباراة الواحدة. وحتى عند استبعاد ركلات الجزاء، تظل قدرته الاستثنائية على إنهاء الهجمات واضحة. فقد سجّل أهدافاً تزيد بأكثر من 12 هدفاً على حصيلته المتوقعة وفقاً لمؤشر الأهداف المتوقعة «xG»، وهو فارق يعكس براعته الكبيرة أمام المرمى. ولم يتوقف تأثير كين عند مستواه مع بايرن ميونيخ. فقد قاد منتخب إنجلترا إلى الدور نصف النهائي من كأس العالم، وسجل 6 أهداف، من بينها هدف الفوز الذي بدا مستحيلاً أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ إنه موسم استثنائي إلى درجة نادرة، ومن النوع الذي يستحق الاعتراف به من خلال أرفع جائزة فردية في كرة القدم. لكن يامال نفسه يبدو مختلفاً مع هذا التقييم. ففي تصريحات لشبكة «موفيستار» الإسبانية، تحدّث جناح برشلونة عن فرصه في الفوز بالكرة الذهبية، مقدماً تفسيره الخاص لما ينبغي أن تكافئه الجائزة. وقال: «أعتقد أن الكرة الذهبية يجب أن تذهب إلى أفضل لاعب في العالم، وانتهى الأمر». وأضاف: «ليس إلى لاعب سجل 80 هدفاً، لأنك إذا سجلت 80 هدفاً، فإنك تحصل على جائزة الهداف مقابل ذلك». وتابع: «هذان أمران مختلفان تماماً، والناس لا يفهمون ذلك». ثم قال: «بالنسبة إليَّ، أنا ومبابي الأفضل في العالم، وأعتقد أنني أستحق الجائزة هذا العام بسبب ما فزت به من بطولات». ويبقى السؤال الآن: هل كانت هذه التصريحات، إلى جانب الأداء الذي قدّمه يامال طوال الموسم، كافية لتغيير قناعات المصوتين؟ أم أن الأرقام الاستثنائية لهاري كين ستحسم السباق لصالح المهاجم الإنجليزي؟ سيظل الجواب لغزاً مثيراً حتى نهاية الشهر الحالي، عندما يُكشف عن الفائز بالكرة الذهبية.
المصدر: الشرق الأوسط