معرض بيروت للكتاب يستعيد أمين الريحاني… 150 عاماً على ولادة مفكّر النهضة
يصعب الدخول إلى عالم أمين الريحاني من باب واحد. فالشاعر يقود إلى المفكّر، والرحّالة إلى المؤرّخ، والمصلح إلى محاور الملوك، فيما يجمع هذه الوجوه سؤال عن الإنسان وحريته، وعن مجتمع يصوغ نهضته من وعيه بذاته وانفتاحه على العالم. في تجربته، تعبر الأفكار من الكتب إلى الحياة، وتعود منها محمّلة بما اختبرته من مقاومة وتناقض.
هذه الصلة بين الفكر والحياة حضرت في ندوة "أمين الريحاني: الوجه والتجلّيات"، ضمن الدورة السابعة والستين لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب. وفي الحوار الذي أداره الكاتب والشاعر مكرم غصوب، ابن بلدته الفريكة، تتبّع المشاركون تداخل الأدب والفلسفة والتاريخ والسياسة في مشروعه، وطرحوا أسئلة حول مكانته في الفكر العربي الحديث وما بقي من رؤيته حاضراً، بعد مئة وخمسين عاماً على ولادته.
مشروعٌ يتجاوز حدود الاختصاص
حمل "فيلسوف الفريكة" أسئلته بين العربية والإنكليزية، وبين المشرق والولايات المتحدة، متتبّعاً إمكان اللقاء بين ثقافات تتبادل التأثير والارتياب. ومن هذه الحركة تشكّل مشروعه الإصلاحي: مساءلة التعصّب، والدفاع عن الحرية، والبحث في شروط النهوض، مع إخضاع ما يراه ويقرأه لاختبار العقل والتجربة.

لذلك يكتسب تعدّد أجناسه الكتابية دلالته. فالرواية تمنحه مجالاً لتجسيد الفكرة في مصير إنساني، والرحلة تضعها أمام وقائع الاجتماع والحكم، والمقالة تتيح له التدخّل المباشر في قضايا عصره. وفي الانتقال بينها، تتّضح شخصية مفكّر يسعى إلى توسيع أدواته بقدر اتّساع الأسئلة التي تشغله.
الصدق أساساً للاستقلال
توقّف الأكاديمي والباحث والشاعر أمين ألبرت الريحاني (ابن أخ الريحاني) عند الصدق بوصفه مبدأً يحكم الصلة بين فكر الريحاني وسلوكه. واستعاد غصوب مشهد الصلبان المزيّفة في "كتاب خالد": بضاعة تُباع في نيويورك باسم الأرض المقدّسة، ثم يحرقها البطل حين يصطدم رزقه بما يراه خداعاً لإيمان الآخرين.
يتجاوز المشهد موعظة الأمانة إلى سؤال عن استغلال المقدّس، وعن قدرة الفرد على رفض منفعة تقوم على الوهم. أما إحراق الكتب، الذي فسّره أمين ألبرت بالتشديد على ما يبقى من القراءة في الذاكرة، فيفتح باباً آخر للنقاش: المعرفة التي يريدها الريحاني معرفة يتمثّلها الإنسان، وتترك أثرها في تفكيره.
ومن هنا اكتسبت حكاية رفض لقب الإمارة معناها. بحسب أمين ألبرت، اعتذر الريحاني عن قبول اللقب الذي اقترحه الشريف حسين، وفاءً لموقفه المناهض للألقاب. ففي لحظة التكريم، صار عليه أن يختار بين وجاهة تُمنح له وقناعة بناها بقلمه، واختار الاحتفاظ باستقلاله.
وفي السياق، روى غصوب أن الريحاني رفض عروضاً لتولّي رئاسة الجمهورية في لبنان وسوريا، مشترطاً رحيل الانتداب عن البلاد. وتكشف هذه الرواية وجهاً من موقفه من السلطة: فقد كان معنياً بحرية الأوطان قبل موقعه في حكمها، وبقدرة صاحب المنصب على القرار قبل وجاهة المنصب نفسه. بهذا المعنى، يتّصل رفض الرئاسة برفض لقب الإمارة، ويغدو الاستقلال خيطاً يجمع رؤيته الإصلاحية بخياراته الشخصية.
الشاعر الذي لم نقرأه كاملاً
أعاد الشاعر والناقد عبده وازن فتح الملفّ الشعري لأمين الريحاني، متوقّفاً عند المسافة بين صورته الشائعة بوصفه مفكّراً ورحّالة ومصلحاً، وتجربته الشعرية التي لم تُقرأ عربياً بما يكفي. وأولى شعره بالإنكليزية أهمية خاصة، معتبراً أنه يضمّ أبرز منجزه الشعري، وداعياً إلى ترجمة دواوينه الأربعة لتقديم صورة أوسع عنه. وفي هذا السياق، أحال إلى كتاب أمين ألبرت الريحاني "الينابيع المنسيّة"، لما يكشفه من مؤلّفات ومخطوطات إنكليزية بقيت بعيدة من اهتمام كثير من دارسيه بالعربية.
كما ناقش صلته بوالت ويتمان، رافضاً اختزالها في التقليد، فقد قرأه الريحاني واستفاد من تجربته، ثم شقّ مساراً خاصاً. وتوقّف وازن عند ريادته في تحرير التعبير الشعري، مشدّداً على ضرورة التمييز بين الشعر الحرّ وشعر التفعيلة الذي ارتبط لاحقاً بالسيّاب ونازك الملائكة. غير أن هذه الريادة بقيت عنده مفتوحة على المساءلة، خصوصاً في حضور السجع داخل "هتاف الأودية": لماذا استعان الريحاني بإيقاع نثري موروث وهو يسعى إلى تجاوز الأوزان؟ سؤال يتيح قراءة التجديد في تفاصيل اللغة وبناء القصيدة، ويكشف حواراً بين توقه إلى الحرية وصلته العميقة بالتراث الشعري العربي، ولا سيما أبي العلاء المعرّي وابن الفارض.
الفلسفة في حركة السؤال
قاربت الأكاديمية نايلة أبي نادر مكانته الفلسفية من خلال المنهج النقدي في أعماله. فالحكم على تجربة فكرية يقتضي تتبّع بنائها وأسئلتها وطرائق استدلالها، والنظر في قدرتها على مراجعة المسلّمات.
وفي قراءتها للعطش في "كتاب خالد"، برز البحث عن المعرفة بوصفه حاجة لا تهدأ. يعطش الإنسان في الصحراء والمدينة، وفي فضاءات الحب والحرية والفكر، كأن الامتلاء الظاهر لا يضمن ارتواء الداخل.
ويأتي الصبر معيناً على هذه الرحلة. فالسؤال يضع صاحبه أمام حدود معرفته، ويدفعه إلى احتمال القلق ومشقّة البحث. بهذا المعنى، تحضر الفلسفة ممارسةً للوعي، وتجربة يعيشها الإنسان وهو يحاول فهم نفسه والعالم.
المؤرّخ عند منعطف السياسة
قرأ الكاتب والناشر سليمان بختي رحلة الريحاني العربية، التي بدأها عام 1922، في ضوء مشروعه للوحدة والتفاهم بين حكّام الجزيرة. كانت اللقاءات والمراسلات والوساطات محاولةً للتأثير في واقع تتنازعه الحدود والنفوذ والأطماع الخارجية.
ومن احتكاكه المباشر بمراكز القرار، تكوّنت مادة تأريخية تتيح قراءة شخصيات الحكّام وخياراتهم ولحظات تشكّل دولهم. غير أن قيمة هذه الشهادة تستدعي أيضاً فحص موقع صاحبها: كيف أثّر قربه من السلطة في رؤيته؟ وكيف جمع بين طموح المصلح وعمل المؤرّخ؟
تمنح هذه الأسئلة استعادته جدّيتها. فالمفكّر الذي أراد تغيير الواقع دخل في تعقيداته، وترك نصوصاً تسمح للأجيال اللاحقة بمناقشة رؤيته وقياس حدودها.
من الفريكة إلى نيويورك وبلاد العرب، حمل أمين الريحاني قلق المفكّر وعين المؤرّخ وحساسية الأديب، وبقي الإنسان أفق مشروعه وامتحانه. وبعد مئة وخمسين عاماً على ولادته، ما زالت تجربته تسائل علاقتنا بالحرية والمعرفة والسلطة، وتعيدنا إلى ذلك الخيط الدقيق بين ما نؤمن به وما نملك شجاعة عيشه.
المصدر: النهار