شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

“ما لم تعمل أو تتكلم”: حدود المؤاخذة على خواطر القلب

“ما لم تعمل أو تتكلم”: حدود المؤاخذة على خواطر القلب

يجري في قلب الإنسان وخاطره ألوانٌ من الخواطر والهواجس والميول، بعضها يعبر سريعًا وبعضها يستقر ويترسخ حتى يتحول إلى قصدٍ وعزم. وقد اعتنى العلماء ببيان مراتب هذه الواردات القلبية، وحدّدوا أيّها يُكتب على العبد ويُؤاخذ به، وأيّها يُعفى عنه رحمةً من الله بهذه الأمة. وفيما يلي عرضٌ لأقوال أهل العلم في هذه المراتب، ثم بيان الأصل الشرعي الذي تقوم عليه هذه التفرقة. أولًا: مراتب الواردات على القلب عند العلماء: نقل الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (11/185) عن ابن أبي جمرة أن ترتيب الوارد على القلب يمر بست مراتب: (الهمّة، ثم اللّمة، ثم الخطرة، ثم النية، ثم الإرادة، ثم العزيمة.) وقد بيّن أن “الثلاث الأول” (الهمة، اللمة، الخطرة) لا يُؤاخذ بها العبد، بخلاف “الثلاث الأخيرة” (النية، الإرادة، العزيمة) فإنه يُؤاخذ بها. تقسيم ابن القيّم (المسار التدريجي للمعصية) يصف ابن القيم في «الفوائد» (ص31)، كيف تتدرج المعصية في النفس إن لم تُدافَع أول ما تخطر، فيقول إن على العبد أن يدافع الخطرة أول وقوعها، فإن لم يفعل تحوّلت إلى فكرة، فإن لم يدافعها صارت شهوة يجب محاربتها، فإن لم يفعل صارت عزيمة وهمّة، فإن لم يدافعها صارت فعلًا واقعًا، وإن لم يتداركه بضده صار “عادة” يصعب معها الانفكاك. فهذا التقسيم يبرز “البعد السلوكي والتربوي” للمسألة: كيف يتدرج الخاطر حتى يصير عادةً راسخة، لا مجرد بيان لمراتب المؤاخذة. وفي شرحها وتعريفها يقول محمود محمد خطاب السبكي في المنهل العذب المورود، (8/198): الهمّ: ترجيح الفعل، ويُكتب إن كان خيرًا لا شرًا. العزم: التصميم على الفعل، ويُكتب خيره وشره. هذا هو التقسيم الأشهر والأكثر تداولًا عند الأصوليين، وقد ورد بألفاظ متقاربة في عدة مصادر: أ. حاشية العطار على شرح جمع الجوامع (2/520) الهمّ (قصد الفعل) وهذه الأربع لا مؤاخذة فيها. العزم، وهو (الجزم بقصد الفعل)، فبه تقع المؤاخذة والثواب، مستدلًا بحديث الصحيحين في القاتل والمقتول: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: (إنه كان حريصًا على قتل صاحبه). ب. «الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع» (4/423) أوسع الأقوال تفصيلًا: يذكر صاحب الدرر اللوامع أن المسألة “مزلة أقدام” فيحتاج إلى بسط الكلام فيها، ويقسّم ما يقع في النفس إلى خمس مراتب: هواجس حسّ النفس: وهي واردات لا قدرة للعبد على دفعها، فلا مؤاخذة ولا ثواب عليها، لأن مناط الثواب والعقاب هو الفعل الاختياري. خواطر النفس: أن يجريها العبد باختياره ويتردد فيها بين الفعل والترك، دون أن يحكم بشيء، فلا ثواب ولا عقاب لخلوها من الحكم. حديث النفس: رتبة أعلى من السابقتين، إذ تحدثه نفسه بأنه يحب أن يفعل، لكن دون همّ ولا قصد لترجيح الفعل. الهمّ: وهو ترجيح قصد الفعل، وهنا تفترق الحسنة عن السيئة: فإن كان الأمر المقصود خيرًا كُتبت له حسنة، وإن كان معصية لم يُكتب عليه ما لم يعمل أو يتكلم، بل إن تركها بعد القصد كُتبت له حسنة. قوة القصد والعزم واطمئنان النفس إليه: وهذه هي التي يُؤاخذ بها العبد عند المحققين، للإجماع على المؤاخذة بأفعال القلوب، مستدلين بحديث القاتل والمقتول السالف. يستند العلماء في هذه التفرقة إلى جملة من النصوص، أبرزها: جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها، ما لم يتكلموا أو يعملوا به)، وفي رواية: «ما لم يعمل أو يتكلم به» (البخاري 2528، مسلم 127). وفي رواية أخرى (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل أو تكلم.) قال القرطبي في «المفهم» (1/341) في شرح هذا الحديث: من لم يعمل بما عزم عليه ولم ينطق به فلا يُؤاخذ به، بل هو متجاوَز عنه. أورد المناوي في «التنوير شرح الجامع الصغير» (11/27) حديث: «الهوى مغفور لصاحبه ما لم يعمل به أو يتكلم»، وبيّن أن المراد بالهوى ما يميل إليه القلب من الحب والبغض والحسد ونحوها، وأن العبد لا يُؤاخذ بمجرد وقوع ذلك في خاطره حتى يرتب عليه عملًا أو كلامًا. أخرجه أبو نعيم فى الحلية (2/259)، والحديث ضعّفه الألباني في «ضعيف الجامع» رقم 6107، وقال في «الضعيفة» 1513: منكر. وهو الحديث الذي يُستدل به عند بيان أن “العزم” (بخلاف ما دونه) يُؤاخذ به صاحبه، وفيه أن أحد المتقاتلين بالسيف، وإن لم يُقتل هو، بل قُتل صاحبه، يكون معه في النار، “لحرصه على قتل صاحبه”، أي لعزمه وقصده التام. وقد بيّن صاحب «الدرر اللوامع» أن هذا الحديث هو مستند إجماع المحققين على المؤاخذة بأفعال القلوب عند بلوغها درجة العزم. تعليق الكوراني: تفرّد هذه الأمة بالعفو عن الخواطر في «الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري» (1/92) بيانٌ مهم لحكمة هذا التخفيف، إذ يقول صاحبه: إن الخواطر وهواجس النفس لا يُؤاخذ بها في أي ملّة من الملل أصلًا، أما ما يُخطره الإنسان بقلبه من المعاصي باختياره، فإن لم يصمم عليه العزم، فهذا هو الذي “رُفعت فيه المؤاخذة عن هذه الأمة خاصة” دون سائر الأمم. أما من صمّم العزم، فإنه يُؤاخذ به بهذا النص وأمثاله. نقل الآلوسي في «روح البيان» (1/445) حديثين في هذا المعنى: «من حضر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن حضرها»[أخرجه ابن أبى الدنيا فى الأمر بالمعروف (112)، وابن حبان فى الثقات 7/ 610، وابن عدى فى الكامل 7/ 2686]، و(من أحب قومًا على أعمالهم حُشر في زمرتهم وحوسب يوم القيامة بحسابهم وإن لم يعمل بأعمالهم) [أخرجه ابن عدي في “الكامل” (1/ 392)، والخطيب في “تاريخ بغداد” (5/ 405) (2978) من طريق الحسن بن يزيد الجصاص، حدثنا إسماعيل بن يحيى، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر،…والحديث قال عنه الشيخ الألباني في “الضعيفة” (4536): “موضوع بهذا اللفظ”،]. واستخلص من ذلك أن على العاقل أن يرفع عن قلبه الخواطر الفاسدة، ولا يجالس أهل الفسق حتى لا يُحشر في زمرتهم. الفرق بين مجرد العمل بالوسوسة والتحدث بها أشار العلامة أنور شاه الكشميري في «فيض الباري» (4/24)، ناقلًا عرضه على شيخه شيخ الهند، إلى تفصيل لطيف: أن من بلغت به الوسوسة إلى حدّ العمل بها ثم تكلّم بها، فإنه يقترف “معصيتين لا معصية واحدة”: معصية للعمل، ومعصية أخرى للتحدث والجهر بها، لأن الله تعالى أمر بستر السوء ولم يُحب الجهر به إلا لمن ظُلم، فمن جاهر بمعصيته فقد ازداد جرأةً ووقاحة تستحق أن تُكتب له معصية زائدة على أصل الفعل. بالنظر في هذه الأقوال مجتمعة، يتضح أن الواردات على القلب تمر بمراحل متدرجة من الضعف إلى القوة: الهاجس: هواجس حس النفس، يلوح ويذهب سريعًا، لا اختيار للعبد فيه، فلا مؤاخذة ولا ثواب . الخاطر، يلوح ويمكث برهة، بتردد بين الفعل والترك، لا مؤاخذة. حديث النفس، تزيين النفس للأمر وتحسينه دون ترجيح، لا مؤاخذة . الهمّ، ترجيح قصد الفعل، يُكتب إن كان خيرًا، لا إن كان شرًا (ما لم يعمل). العزم، الجزم والتصميم التام على الفعل، يُكتب خيره وشره، وتقع به المؤاخذة. وأصل هذه التفرقة كلها قوله ﷺ: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها، ما لم يتكلموا أو يعملوا به)، فما دون العزم من واردات القلب معفوٌّ عنه رحمةً وتخفيفًا، وما بلغ درجة العزم والتصميم على الفعل، ولا سيما إن اقترن بقول أو عمل، فهو موضع المؤاخذة والحساب.

المصدر: العمق