شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق.. رحلة النزوح الأطول في تاريخ الحرب اليمنية

من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق.. رحلة النزوح الأطول في تاريخ الحرب اليمنية

من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، امتدت حركة النزوح جراء التصعيد الحوثي الأخير باتجاه السيطرة على مضيق باب المندب، أحد أهم طرق الملاحة الدولية. خلال الأسابيع الماضية، استقبلت محافظتي حضرموت والمهرة، شرقي اليمن، مئات الأسر وآلاف النازحين من مديريات جنوبي الحديدة وغربي تعز، التي تشهد للشهر الثاني عدوانا غير مسبوقا من قبل مليشيا الحوثي المدعومة من إيران، ومعه توسعت حركة النزوح داخليا وخارجيا، وتجاوزت أعداد النازحين مائتين ألف نازحا، متخطية حاجز الخمسة مليون نازح منذ بدء الانقلاب، طبقا لتقديرات رسمية. ظلت مدن الشرق الأقصى، بعيدة عن خيارات النزوح، طيلة سنوات حرب الإنقلاب التي تدخل عامها الثاني عشر، إذ خلت تلك المناطق من مخيمات النزوح، باستثناء حركة تنقلات محدودة لمشاريع تجارية، وكوادر مؤهلة وجدت فيها بيئة أمنة للعمل والاستثمار، وتركزت بشكل أكبر في مدينة سيئون. لم تكن المهرة وحضرموت ضمن خيارات النزوح لمتضرري الحرب المستعرة في الحديدة وتعز، لكنهم وجدوا أنفسهم فيها، وكانت ملاذهم الأخير. فهي - كما يعتقد النازحون - "بعيدة عن خطوط الصراع وآمنة نسبياً، وتحفظ لهم ما تبقى من كرامة مهدورة وحقوق مستباحة". كثير من الأسر النازحة تعرضت- كما تقول- للمضايقات والفرز المناطقي في عدن ولحج، فاضطرت للذهاب إلى أبعد من ذلك بحثاً عن الأمان. يممت شطرها نحو الشرق، فكانت حضرموت والمهرة وجهتها الجديدة في رحلة نزوح لا يبدو أنها الأخيرة، في ظل تعقيدات الصراع وتوسع خارطة الحرب التي تدخل عقدها الثاني. أكثر من 2,297 نازحا موزعين على (338 أسرة)، اضطروا إلى قطع مسافات تصل إلى 1500 كيلومترا في رحلة نزوح شاقة امتدت لأيام، بحثا عن الأمان الذي فقدوه في مناطقهم التي استباحتها مليشيا الحوثي جنوبي الحديدة وغربي تعز. وطبقا لتقديرات رسمية، فإن حضرموت استضافت حتى نهاية الشهر الماضي، 1,498 نازحا من الساحل الغربي، ينتمون إلى (214 أسرة)، توزعت على مخيمات ومراكز إيواء في (المكلا والشحر والريدة وقصيعر). وفي المهرة، سجلت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، وصول نحو 799 نازحا ينتمون الى (124 أسرة)، توزعت في مراكز المديريات الرئيسية مثل الغيضة (عاصمة المحافظة) ومديريات شحن وحصوين. العدد يبدو ضئيلا مقارنة بعدن وتعز ولحج، لكنه ارتفع بسرعة كبيرة بزيادة تجاوزت 50%، خلال يومين فقط، وسط توقعات باستمرار التدفق كـ "نزوح ثانوي من عدن"، في ظل التعقيدات المتزايدة، والانتهاكات المقيدة لحركة النازحين هناك، كما تقول فرق الرصد. وأكدت مصادر محلية للمصدر أونلاين، أن موجات النزوح باتجاه حضرموت والمهرة لا تزال مستمرة ولم تتوقف، جراء التصعيد العسكري وتدهور الأوضاع الأمنية في مناطق الساحل الغربي والمحافظات الأخرى، مؤكدة أن أعداد النازحين يتجاوز بأضعاف ما تم الإعلان عنه. ويتوزع النازحون في حضرموت والمهرة، بين السكن في مخيمات عشوائية أو تجمعات سكنية مؤقتة، بينما تفضل نسبة كبيرة منهم الاستقرار لدى مجتمعات وأسر مضيفة أو استئجار مساكن خاصة نظراً للمساحة الجغرافية الواسعة للمحافظتين واستقرارها النسبي. وتواجه المخيمات هناك، ضغوطاً متزايدة في توفير الخدمات الأساسية والمواد الإغاثية، لاسيما بعد التوترات المحلية والظروف الجوية المؤثرة على البنية التحتية للمخيمات، طبقاً لذات المصادر. وعن الأسباب والدوافع نحو النزوح شرقاً، يقول نازحون للمصدر أونلاين، إن المجتمعات المضيفة في الغيضة والمكلا الأقل ضغطاً، والأكثر أمنا، ولا يوجد اكتظاظ مثل عدن"، غير أن الأهم بالنسبة لهم، هو "الاستقرار النفسي والخدمي". اضطرت بعض الأسر لبيع ما تبقى لديها من أثاث ومقتنيات، لتغطية التكاليف الباهضة للنزوح من الغرب إلى الشرق، إذ تصل أجور النقل من المخا إلى الغيضة إلى 250 ألف ريال يمني للأسرة الواحدة، بحسب إفادة بعض النازحين للمصدر أونلاين. نزحت هذه الأسرة محملة بما استطاعت حمله من أمتعة. انطلقت في رحلة نزوح جديدة، بغير تخطيط ودنما وجهة محددة، تاركة خلفها منازل وممتلكات ومصادر رزقها الوحيد. على وقع التصعيد الحوثي الأعنف على محافظة تعز، وتوسع المواجهات الى الأرياف، فرضت سلطات عدن قيودا جديدة على النازحين، وتعقيدات حالت دون استقبال عشرات الأسر، بحسب مصادر رسمية وحقوقية. ورصد المصدر أونلاين، بناءً على مصادر موثوقة، أنماطاً متعددة من الانتهاكات التي يتعرض لها نازحو الحديدة وتعز في عدن، تمثلت في الحرمان المتعمد والممنهج من أبسط الحقوق، والتعامل معهم كأسرى حرب لا كضحايا. وطبقا لنازحين ومصادر حقوقية، فإن الأخطر في الانتهاكات التي تطال النازحين في عدن، يتمثل في كونه لم يعد سلوكاً فردياً منفلتاً، بل تحول إلى توجه ممنهج يمارس بغطاء رسمي من قبل سلطات منوط بها حماية الحقوق وتأمين الساكنين، لا إقلاق السكينة وترويع النازحين. ومع تصاعد خطاب التحريض العنصري غير المسؤول الذي يتبناه نشطاء ومنصات إعلامية تابعه للمجلس الانتقالي المنحل، ضد النازحين، فرضت اللجنة الأمنية في عدن إجراءات جديدة، تكريسا لسياسة الفرز العنصري كما يقول نشطاء حقوقيون. الانتهاكات الإنسانية - كما يقول النازحون- لم تتوقف عند مداخل عدن، التي باتت شبه مغلقة في وجه عشرات الأسر، بل امتدت الى مراكز الايواء ومخيمات النزوح، التي تحولت إلى سجون مفتوحة لمئات الأسر، بعد أن فرضت عليها السلطات ما يشبه "الإقامة الجبرية". وشكت الكثير من الأسر النازحة من تعامل عنصري حتى في توزيع المساعدات، التي قالوا إنها باتت تخضع لاعتبارات سياسية ومناطقية، وسط اتهامات متزايدة للجان المجتمعية بتعمد حرمان بعض الأسر، من الحصول على المساعدات الإنسانية، وفق ما أكدته فرق الرصد. وإمعانا في انتهاك المعايير الدولية، اعتمدت السلطة المحلية في العاصمة المؤقتة عدن، إستراتيجية جديدة للنازحين، وفرضت المزيد من التعقيدات والقيود أمام حركة النزوح المتزايدة على وقع الصراع المحتدم في الساحل الغربي، الذي تحول الى مسرح العمليات الأعنف بين القوات الحكومية والمتمردين الحوثيين. وطبقا لما أعلنه رئيس الوحدة التنفيذية للنازحين في عدن "محمد الصوفي"، فإن إستراتيجية النزوح التي أقرتها اللجنة الأمنية في عدن، لا تسمح باستقبال غير النساء والأطفال والمرضى وكبار السن، واجبار من هم في سن الشباب على العودة إلى مناطق المواجهات والالتحاق بجبهات القتال. "الصوفي" قال مبرراً تلك الإجراءات: من غير المعقول السماح للشباب بالنزوح الى عدن، ولا خيار أمامهم سوى العودة إلى جبهات القتال. وهي إجراءات يرى فيها نشطاء، انتهاكاً لحقوق النازحين وللمعايير الدولية، وخدمة مجانية للمليشيا الحوثية، التي لا تفرق بين شمال وجنوب. وأصدرت اللجان المجتمعية في مديرية البريقة، غربي عدن، تحذيرات بمنع استقبال واستضافة النازحين الجدد في غير المخيمات ومراكز الإيواء المخصصة لهم في مناطق صلاح الدين ورأس عمران، وهي مخيمات استحدثت مؤخرا لإيواء نازحي الساحل الغربي، وتفتقر لأبسط متطلبات الحياة، طبقا لمنظمات إنسانية وناشطين حقوقيين. وعممت اللجان المجتمعية في البريقة على فروعها في المناطق والأحياء السكنية، بمنع تأجير مساكن للنازحين الجدد في جميع أحياء ومناطق المديرية الأكبر مساحة والأكثر استضافة للنازحين، متوعدة بإجراءات عقابية صارمة بحق المخالفين. ووجهت اللجان في تعميم، اطلع عليه "المصدر أونلاين"، بمنع تواجد النازحين في الأحياء السكنية، وتوعدت باتخاذ الإجراءات اللازمة بحق الأسر النازحة الرافضة الانتقال الى المخيمات المستحدثة، وسط انتقادات حقوقية لتلك الإجراءات التي وصفت بغير الإنسانية، والمنتهكة لحقوق النازحين. اللجان المجتمعية حذرت أيضا من مغبة التهاون والتقصير في تنفيذ ما وصفته بـ"التوجيهات الأمنية الصارمة"، في سياق ما تزعم أنها إجراءات أمنية فرضت لحماية مدن الجنوب، وتحييدها عن مخاطر الصراع المسلح في الشمال. وكانت اللجان المجتمعية في عدن، قد وجهت في أوقات سابقة إدارة مخيمات النازحين بعدم التعامل مع الوحدة التنفيذية المركزية للنازحين، وعدم السماح لفرق الرصد التابعة لها بالعمل ومنع وصولها الى النازحين، كما وجهت تحذيرات للراصدين أيضا. ومنذ نحو عامين، تشرف ما تسمى باللجان المجتمعية في عدن، على مخيمات النزوح، بصفة رسمية - كما تزعم - بناءً على توجيهات السلطة المحلية، التي سبق وأن اتخذت قراراً بوقف التعامل مع الجهة الحكومية المعنية بهذا الملف ممثلة بالوحدة التنفيذية المركزية لإدارة مخيمات النازحين، وتفردت في إدارة هذا الملف الإنساني، في خطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن صراع الإيرادات وتنازع الاختصاصات بين السلطات الحكومية (مركزيا ومحليا). موجة النزوح الجديدة إلى عدن، أعادت إلى الواجهة خلافات السلطة المحلية والوحدة التنفيذية المركزية لإدارة مخيمات النازخين، ومعها تضاعفت معاناة مئات الأسر وآلاف النازحين من مديريات الساحل الغربي. وطبقا لمصادر موثوقة، فإن الخلاف على ملف النازحين في عدن ليس فنياً، بل صراع صلاحيات وموارد، بين (وحدة تنفيذية) تريد إدارة مركزية للملف، و(قيادة محافظة) تريد إدارة محلية. السلطة المحلية، وطبقا لذات المصادر، تعتبر أن أي نشاط إغاثي داخل حدودها يجب أن يكون عبرها، لا عبر جهة مركزية، وتعزو أسباب الخلاف إلى اختلالات إدارية وازدواجية في إدارة المخيمات، واتهامات بـ"توطين" نازحين دون قاعدة بيانات أمنية، غير أن السبب الأبرز كما تقول مصادر مطلعة، هو رغبة المحافظ في احتكار ملف الإغاثة، وحصر التنسيق مع المنظمات الأممية (UNHCR و OCHA) عبر قنوات السلطة المحلية لـ"إعادة الانضباط الإداري وضمان الشفافية" حسب تبريره، وهو ما ترفضه الوحدة التنفيذية المركزية لإدارة مخيمات النازحين، والتي تتهم السلطة المحلية باستبدال مندوبيها المدربين من النازحين بـ"لجان مجتمعية من خارج المخيمات" أثناء مسح برنامج الغذاء العالمي، مما أدى لـ "استبعاد جماعي وممنهج لآلاف الأسر من المساعدات". صراع النفوذ على ملف النازحين، وغياب آلية التنسيق، انعكس سلبا على نازحي التصعيد الأخير، وأجبر كثير من نازحي الساحل على التوجه نحو الشرق هربا من المخاطر والعراقيل في مدن الجنوب.. وتواجه المئات من الأسر النازحة حديثا في عدن، ظروفا بالغة القسوة والتعقيد، في ظل تعدد مصادر القرار وتنازع الصلاحيات بين أكثر من جهة رسمية في إدارة هذا الملف الإنساني. ويشكو النازحون من تحديات أمنية وانتهاكات إنسانية، وتعقيدات إدارية، حالت دون وصول المساعدات، وفشل الاستجابة الإنسانية، بالإضافة إلى ارتفاع الإيجارات للمساكن وعدم توفر مأوى. الإجراءات الرسمية التي تعاملت بها السلطة المحلية في عدن تجاه ملف النازحين، وصفت بغير الإنسانية وغير القانونية، طبقا لتقارير حقوقية محلية ودولية. طيلة سنوات الحرب التي تدخل عامها الثاني عشر، تعاملت سلطات عدن مع ملف النازحين من منظور سياسي وأمني، بعيدا عن المعايير الإنسانية، حيث يتم التعامل معهم كتهديد ديمغرافي لـ"الهوية الجنوبية"، وهو ما ساهم في خلق بيئة معادية للنازحين، بحسب منظمة سام للحقوق والحريات. ومنذ أكثر من شهرين، تشهد اليمن جولة جديدة من احتدام المعارك بين القوات الحكومية المسنودة من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية من جهة ومليشيا الحوثيين المدعومة من إيران، بعد نحو 4 سنوات من التهدئة وخفض التصعيد. وطبقا لتقديرات رسمية وأممية، فإن أكثر من 200 ألف نازح، ينتمون إلى أكثر من 30 ألف أسرة، توزعوا على عشر محافظات يمنية، في حين خاطر (أكثر من 3 آلاف يمني) بعبور البحر الأحمر باتجاه جيبوتي في ظروف قاسية للغاية بحثاً عن الأمان المفقود. استقبلت محافظات تعز ولحج وعدن، أعداداً تفوق قدرتها على التحمل، مما سبب ضغطاً خانقاً على الخدمات العامة الضعيفة أصلاً كالصحة والتعليم والكهرباء، فيما تزداد معاناة النازحين يوما بعد آخر، في بلد يواجه واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، وفق تقارير دولية. وتشكو منظمات الإغاثة من صعوبة الوصول للنازحين، ومواكبة الاحتياجات المتزايدة، في وقت لا يزال فيه التدخل الإنساني في كثير من مناطق النزوح أقل من حجم الاحتياج، وسط تحذيرات رسمية من أن إمكانات الاستجابة الحالية لا تواكب اتساع موجة النزوح. وطبقا لتقارير رسمية، فإن قطاع واسع من النازحين الجدد، يعيشون في مناطق مفتوحة ومخيمات مؤقتة تفتقر لأبسط المقومات الأساسية. تضطر العديد من الأسر النازحة في مخيمات ومراكز الإيواء المستحدثة إلى مشاركة خيمة واحدة بسبب النقص الحاد في المأوى الطارئ. كما يواجه النازحون صعوبة بالغة في الحصول على مياه شرب نظيفة، مما يرفع مخاطر انتشار الأوبئة والأمراض داخل المخيمات المكتظة. وتشير البيانات الأممية إلى أن النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من موجة النزوح الأخيرة. وتعاني هذه الفئات، إلى جانب كبار السن وذوي الإعاقة، من غياب آليات الحماية والرعاية الصحية المتخصصة جراء النزوح القسري الجماعي.

المصدر: المصدر أونلاين