شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

ما الذي يجعل بعض الذكريات لا تُنسى؟ علماء يحددون السبب

ما الذي يجعل بعض الذكريات لا تُنسى؟ علماء يحددون السبب

كشفت دراسة أجراها علماء من جامعة ييل الأمريكية أن هرمون «الكورتيزول»، الذي يفرزه الجسم استجابة للتوتر، قد يجعل بعض التجارب العاطفية أكثر رسوخاً في الذاكرة، عبر تغيير طريقة عمل شبكات الدماغ المسؤولة عن رصد المشاعر وتكوين الذكريات والتنسيق بينها. وأظهرت النتائج، أن تأثير التوتر في الذاكرة أكثر تعقيداً من الاعتقاد بأن الضغط النفسي يضعف القدرة على التذكر دائماً، إذ يمكن للكورتيزول أن يمنح الدماغ أولوية للمعلومات التي يراها الشخص مهمة أو مثيرة للمشاعر، ما يجعلها أكثر قابلية للبقاء في الذاكرة لفترة أطول. ويُفرز الكورتيزول بصورة طبيعية عندما يتعرض الإنسان لموقف ضاغط أو مهدد، ويساعد الجسم على الاستجابة السريعة للتوتر. لكن الباحثين أرادوا معرفة ما يحدث داخل الدماغ عندما يرتفع مستوى هذا الهرمون أثناء تكوين الذكريات، ولماذا يتذكر الإنسان أحياناً تفاصيل موقف شديد الانفعال بوضوح، بينما تختفي أحداث عادية وقعت في الفترة نفسها. وقالت الباحثة إليزابيث غولدفارب، من كلية الطب بجامعة ييل، إن استجابة الجسم للتوتر تؤدي وظيفة تكيفية، ويمكن أن تساعد الإنسان على تكوين ذكريات قوية للأحداث التي يعتبرها ذات أهمية عاطفية. وشملت الدراسة 26 مشاركاً خضعوا لتجربة مزدوجة التعمية؛ تناولوا خلالها في إحدى الجلسات جرعة مقدارها 20 مليغراماً من «الهيدروكورتيزون»، وهو شكل دوائي من الكورتيزول، وفي جلسة أخرى حصلوا على دواء وهمي. وخلال التجربة، شاهد المشاركون مجموعة من الصور والمشاهد أثناء خضوعهم للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، الذي مكّن العلماء من متابعة التغيرات في نشاط الدماغ والتواصل بين مناطقه أثناء تكوين الذكريات. وبعد مرور 24 ساعة، اختبر الباحثون قدرة المشاركين على تذكر ما شاهدوه، وقارنوا النتائج بين الجلسة التي ارتفع فيها مستوى الكورتيزول والجلسة الأخرى. وأظهرت النتائج أن الكورتيزول عزز قدرة المشاركين على تذكر المعلومات التي اعتبروها أكثر إثارة عاطفياً، بينما لم يظهر التأثير نفسه بوضوح مع المعلومات المحايدة. وبعبارة أخرى، لم يجعل هرمون التوتر الذاكرة أقوى لكل شيء، بل بدا وكأنه يساعد الدماغ على تحديد ما يعتبره مهماً عاطفياً ومنحه أولوية أثناء عملية التخزين. ويرى الباحثون أن هذه الآلية قد تكون مفيدة من الناحية التطورية؛ إذ يحتاج الإنسان إلى تذكر المواقف المهمة أو المهددة حتى يتمكن من الاستجابة بصورة أفضل إذا واجه موقفاً مشابهاً مستقبلاً. ولم يقتصر تأثير الكورتيزول على منطقة واحدة في الدماغ، إذ كشف تحليل صور الرنين المغناطيسي عن تغيرات في شبكات متعددة تعمل معاً عند معالجة المشاعر وتكوين الذكريات. وأصبحت الشبكات المرتبطة بتحديد أهمية الأحداث العاطفية أكثر ثباتاً ونشاطاً تحت تأثير الكورتيزول، فيما أصبحت الشبكات المسؤولة عن تكوين الذكريات أكثر تخصصاً في التعامل مع المعلومات العاطفية. كما ازداد التنسيق والتداخل بين الشبكات المسؤولة عن الإثارة العاطفية وتلك المرتبطة بالذاكرة، ما يشير إلى أن هرمون التوتر يساعد هذه الأنظمة الدماغية المختلفة على العمل معاً بصورة أوثق عندما يواجه الإنسان حدثاً يحمل أهمية عاطفية. واستخدم العلماء طريقة تحليل متقدمة سمحت لهم بمراقبة أنماط الاتصال بين مناطق الدماغ خلال فترات قصيرة بلغت نحو خمس ثوانٍ لكل تجربة، بدلاً من الاعتماد فقط على متوسط نشاط الدماغ خلال عدة دقائق. وتمكن الباحثون بهذه الطريقة من فصل الشبكات التي تتوقع مدى تأثر الشخص عاطفياً بصورة معينة عن الشبكات التي تتنبأ بما إذا كان سيتذكر تلك الصورة في اليوم التالي. وساعد ذلك في إظهار أن الكورتيزول لا يعمل ببساطة على «تشغيل الذاكرة»، بل يعيد تنظيم الطريقة التي تتعاون بها شبكات الدماغ المختلفة عند التعامل مع التجارب العاطفية. ولا تعني النتائج أن التوتر يحسن الذاكرة دائماً أو أن زيادة الكورتيزول أمر مفيد؛ إذ تشير أبحاث سابقة إلى أن الضغط الشديد أو المزمن يمكن أن يؤثر سلباً في الذاكرة والصحة النفسية ووظائف أخرى في الجسم. وتوضح الدراسة أن التأثير يعتمد على طبيعة المعلومة وشدة التجربة وتوقيتها، وأن الكورتيزول قد يقوي بصورة انتقائية الذكريات المرتبطة بأحداث يراها الإنسان ذات أهمية أو شحنة عاطفية. وقد تساعد النتائج العلماء مستقبلاً على فهم الآليات المرتبطة باضطرابات تتسم بذكريات عاطفية شديدة ومستمرة، مثل اضطراب ما بعد الصدمة، إلا أن الدراسة الحالية ركزت على آليات تكوين الذاكرة ولم تختبر علاجاً لهذه الاضطرابات.

المصدر: عكاظ