بعد أزمة اختفاء 870 مليون دولار بالمصرف الليبي الخارجي.. من هو رئيسه؟ - اخبار ليبيا
أثارت الأرقام المتباينة بشأن إيرادات النفط الليبية خلال النصف الأول من أكتوبر الجاري جدلًا واسعًا، بعدما كشفت بيانات رسمية عن فجوة بين المبالغ التي قالت المؤسسة الوطنية للنفط إنها حصلتها وأودعتها في الحساب السيادي لدى المصرف الليبي الخارجي، وبين الإيرادات التي أعلن مصرف ليبيا المركزي وصولها فعليًا إلى حساباته. ومع تداول تساؤلات عن مصير مئات الملايين من الدولارات، واتهامات إعلامية طالت المصرف الليبي الخارجي وإدارته، عاد اسم رئيس لجنة إدارته، محمد علي الضراط، إلى الواجهة، وسط استحضار تقارير صحفية لخلفيته السياسية ومسيرته المهنية. لكن قبل إصدار أي أحكام بشأن مصير الأموال، جاء بيان ديوان المحاسبة ليقدم تفصيلًا مختلفًا لحركة الإيرادات النفطية، موضحًا أن جانبًا كبيرًا من المبالغ وُجّه إلى حساب المحروقات لتغطية الاحتياجات المحلية. وبدأت الأزمة مع إعلان المؤسسة الوطنية للنفط، في 15 أكتوبر، أنها أحالت نحو مليار و448 مليون دولار إلى الحساب السيادي لدى المصرف الليبي الخارجي خلال الفترة من الأول إلى الرابع عشر من الشهر، محددة إجمالي الإيرادات المحصلة بـ1.447 مليار دولار و655 ألفًا و717 دولارًا. وفي المقابل، أعلن مصرف ليبيا المركزي أن الإيرادات النفطية الموردة فعليًا إلى حساباته خلال الفترة نفسها بلغت 361 مليون دولار فقط، مؤكدًا أن أرقامه تتطابق مع السجلات لدى وزارة المالية بحكومة الوحدة الوطنية، ومبديًا استعداده لمراجعة مستقلة من الجهات المختصة، بما فيها مكتب النائب العام. هذا التباين فتح الباب أمام تساؤلات بشأن مصير الأموال التي لم تظهر ضمن الرقم الذي أعلنه المصرف المركزي. وذهب الإعلامي خليل الحاسي، في منشور عبر «فيسبوك»، إلى الحديث عن اختفاء 871 مليون دولار بين المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والمصرف الليبي الخارجي، كما دعا إلى التحقق من مسار الأموال. وتناولت منشورات وتقارير إعلامية دور المصرف الخارجي في الأزمة. وفي قلب الجدل برز اسم محمد علي الضراط، الذي يتولى رئاسة لجنة الإدارة بالمصرف الليبي الخارجي منذ أبريل 2021، وفقًا للسيرة المنشورة على الموقع الرسمي للمصرف. والضراط ليس هو المدير العام للمصرف؛ إذ يشغل محمد مصطفى العماري هذا المنصب منذ يناير 2025، بحسب الموقع الرسمي نفسه. وتكشف السيرة الرسمية للضراط أنه شغل سابقًا عضوية المؤتمر الوطني العام، وترأس لجنة المالية والتخطيط والميزانية، كما عمل مستشارًا لمحافظ مصرف ليبيا المركزي، وتولى مهام تتعلق بالعلاقات الدولية والإعلامية. وسبق له كذلك شغل مناصب قيادية تنفيذية في شركات دولية عاملة في قطاع التكنولوجيا بالشرق الأوسط والولايات المتحدة، قبل توليه رئاسة لجنة إدارة المصرف الليبي الخارجي. أما على الصعيد السياسي، فيعرف عن محمد علي الضراط، انتمائه لجماعة الإخوان، وكان داعم كبير للميليشيات المسلحة، ويحمل الجنسية الأمريكية. قضى معظم حياته خارج ليبيا بسبب معارضته للنظام السابق، إلا أنه عاد بعد الإطاحة بالقذافي وفاز في انتخابات 2012 عن مصراتة ليصبح عضوًا في المؤتمر الوطني، ورئيس اللجنة المالية فيه، كما شارك بملتقى الصخيرات في عام 2015 بالمغرب. وتمكن الضراط في العام 2016 بمساعدة عناصر مسلحة من السيطرة على مقر محفظة ليبيا أفريقيا الاستثمارية في العاصمة طرابلس، ونصب نفسه بالقوة مديرًا للمحفظة التي تدير أصولًا بحوالي 5 مليارات دولار، مدعيًا أنه يستمد شرعيته من رئيس اللجنة التسييرية الذي أصدر قرار تعيينه. ولم يقتصر الجدل على الأرقام المتداولة، بل امتد إلى آلية تحصيل الإيرادات النفطية وتحويلها، وهي مسألة سبق أن ناقشها ديوان المحاسبة مع مسؤولي المصرف الليبي الخارجي في يونيو الماضي، خلال اجتماع تناول الاعتمادات المستندية الخاصة بتوريد المحروقات، والتسويات المالية، وآلية تحصيل الإيرادات وإيداعها في حسابات المؤسسة لدى المصرف الخارجي، ثم تحويلها إلى حسابات مصرف ليبيا المركزي. وجاء بيان ديوان المحاسبة الصادر في 16 أكتوبر ليقدم تفصيلًا لحركة الأموال خلال الفترة من الأول إلى الخامس عشر من الشهر، موضحًا أن إجمالي الإيرادات النفطية المحصلة في حسابات المؤسسة الوطنية للنفط لدى المصرف الليبي الخارجي بلغ 1.447 مليار دولار و655 ألفًا و717 دولارًا، وهي قيمة مطابقة لفواتير الصادرات وتواريخ استحقاقها، وفقًا للبيان. وفي المقابل، أوضح الديوان أن المبالغ والمخصصات المالية المحالة إلى حساب المحروقات لتوفير الاحتياجات المحلية بلغت 864 مليونًا و569 ألفًا و929 دولارًا، بينما بلغ إجمالي ما حوّله المصرف الليبي الخارجي وأضيف إلى حسابات مصرف ليبيا المركزي 577 مليونًا و412 ألفًا و883 دولارًا حتى 15 أكتوبر. وبذلك قدّم بيان الديوان تفسيرًا رئيسيًا للفجوة التي أثارت الجدل، إذ أظهر أن الجزء الأكبر من المبالغ محل التساؤلات وُجّه إلى حساب المحروقات لتغطية الاحتياجات المحلية، فيما حُوّل مبلغ آخر إلى حسابات المصرف المركزي. وهذه الأرقام لا تعني أن الديوان أعلن اختفاء الأموال أو أثبت وجود اختلاس، بل أوضح مسارات مالية مختلفة لم تكن ظاهرة بالصورة نفسها في البيانات السابقة. وشدد ديوان المحاسبة على ضرورة الدقة والشفافية عند نشر البيانات المتعلقة بالمال العام والتدفقات النقدية، محذرًا من أن عرض أرقام مجتزأة قد يسبب ارتباكًا في الأسواق ويغذي المضاربات في السوق الموازية للعملة. كما أشار إلى صدور القرار رقم 639 لسنة 2026 بتشكيل لجنة تضم ممثلين عن الديوان والمصرف المركزي ووزارة المالية والمؤسسة الوطنية للنفط والمصرف الليبي الخارجي، لمطابقة الأرقام وتوحيد التقارير. وبين الأرقام التي أعلنتها المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي، والتساؤلات التي أثيرت بشأن دور المصرف الليبي الخارجي ورئيس لجنة إدارته، يظل الفارق الأساسي أن الحديث عن «اختفاء» الأموال كان توصيفًا متداولًا في سياق الجدل، بينما قدم ديوان المحاسبة بيانًا يوضح توزيع المبالغ بين حساب المحروقات والتحويلات إلى المصرف المركزي. أما تقييم المسؤوليات الإدارية أو إثبات أي مخالفات، فيحتاج إلى نتائج رقابية أو تحقيقات رسمية، لا إلى الاستنتاج من اختلاف الأرقام وحده.
المصدر: ليبيا أخبار