شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الولي والمدرسة : شراكة تربوية ومسؤولية قانونية

الولي والمدرسة : شراكة تربوية ومسؤولية قانونية

يشهد قطاع التربية الوطنية في الجزائر ، في الآونة الأخيرة ، ديناميكية متواصلة تهدف إلى تحسين أداء المدرسة الجزائرية ، والارتقاء بجودة التعليم ، وتعزيز الانضباط داخل المؤسسات التربوية. وتندرج ضمن هذه الجهود إجراءات تنظيمية وتربوية متعددة ، من بينها العمل على تطبيق النظام الداخلي الموحد للمؤسسات التربوية ، باعتباره إطارا ينظم الحياة المدرسية ، ويحدد الحقوق والواجبات ، ويوضح مسؤوليات مختلف الفاعلين في العملية التعليمية. _ وفي هذا الصدد ، يبرز موضوع استدعاء الولي إلى المؤسسة التربوية باعتباره إحدى الآليات المهمة التي تعتمدها الإدارة لمعالجة بعض الوضعيات المرتبطة بتمدرس التلميذ وسلوكه وانضباطه. غير أن هذه المسألة تثير أحيانا نقاشا حول طبيعة العلاقة بين المؤسسة والأسرة ، وحول الجهة التي يحق لها متابعة شؤون التلميذ والتواصل مع الإدارة التربوية. _ إن استدعاء الولي لا ينبغي النظر إليه على أنه إجراء عقابي أو وسيلة للضغط على الأسرة ، بل هو خطوة تربوية تهدف إلى تشخيص الصعوبات ، وتبادل المعلومات ، والبحث عن الحلول المناسبة. فالمدرسة لا تستطيع القيام برسالتها بمعزل عن الأسرة ، كما أن الولي لا يستطيع متابعة المسار الدراسي لابنه بفاعلية دون التواصل المستمر مع المؤسسة التي يتلقى فيها تعليمه. _ ومن هذا المنطلق ، فإن العلاقة بين المدرسة والأسرة يجب أن تقوم على الثقة المتبادلة ، والاحترام ، والتكامل في الأدوار. فالمدير عندما يستدعي الولي بسبب الغياب المتكرر ، أو التأخر ، أو السلوك غير المقبول ، أو تراجع النتائج الدراسية ، فإنه يمارس مسؤولية تربوية وتنظيمية تفرضها طبيعة مهامه ، ويعمل في الوقت نفسه على إشراك الأسرة في معالجة الوضعية قبل تفاقمها. _ ولا بد من التأكيد أن الأسرة ليست خصما للمؤسسة التربوية ، كما أن الإدارة ليست في مواجهة الأولياء. فالطرفان شريكان في التربية والتعليم ، والغاية المشتركة بينهما هي مصلحة التلميذ ، وحمايته من مختلف المخاطر ، ومساعدته على بناء شخصية متوازنة قادرة على تحمل المسؤولية واحترام القواعد. _ أما من الناحية القانونية ، فإن معالجة مسألة الولي تستوجب التمييز بين مفهوم الولاية القانونية ، وبين حق الوالدين في متابعة شؤون أبنائهما والتواصل مع المؤسسة التربوية. وقد تناولت المادة 87 من قانون الأسرة الجزائري مسألة الولاية على القاصر ، في إطار الأحكام المنظمة للأسرة. غير أن تطبيق هذه الأحكام على وضعية معينة يقتضي مراعاة النصوص ذات الصلة ، وطبيعة الإجراء المطلوب ، والوثائق القانونية المتوفرة ، والقرارات القضائية عند وجودها. _ وبالتالي لا ينبغي التعامل مع حضور الأم أو الأب إلى المؤسسة بمنطق الرفض المطلق أو القبول غير المشروط ، وإنما وفق القوانين والتنظيمات المعمول بها ، مع مراعاة مصلحة التلميذ ، واحترام الحقوق القانونية للأطراف المعنية. كما ينبغي أن تكون إجراءات الاستدعاء واضحة ، وأن يتم توثيقها عند الحاجة ، مع المحافظة على سرية المعلومات المتعلقة بالتلميذ وأسرته. _ ويؤدي النظام الداخلي الموحد دورا مهما في توحيد الممارسات داخل المؤسسات التربوية ، والحد من الاجتهادات المتباينة ، وتوضيح قواعد الانضباط وآليات التواصل بين الإدارة والأولياء. لكن فعالية هذا النظام لا تتحقق بمجرد الإعلان عنه أو تعليق مواده ، بل تتطلب شرح مضامينه للأولياء والتلاميذ والموظفين ، وتطبيقه بعدل وشفافية ، بعيدا عن الانتقائية أو التمييز بين الحالات. _ كما أن نجاح عملية استدعاء الولي يرتبط بقدرة الإدارة على اعتماد أسلوب تواصل مهني وهادئ ، يركز على الوقائع والحلول بدل توجيه الاتهامات. ومن الضروري أن يخرج الولي من اللقاء وهو مدرك للمشكلة ، ومطلعا على الإجراءات الممكنة ، ومشاركا في وضع خطة عملية لمساعدة ابنه على تجاوز الصعوبات. وقد يكون من المفيد ، بحسب طبيعة الحالة ، إشراك مستشار التوجيه والإرشاد المدرسي والمهني ، أو مستشار التربية ، أو المختصين النفسيين عند توفرهم. _ إن المدرسة الجزائرية اليوم بحاجة إلى ترسيخ ثقافة الشراكة والمسؤولية المشتركة ، بحيث يفهم الولي أن استدعاءه هو دعوة للمساهمة في معالجة وضعية تربوية ، وتفهم الإدارة أن الأسرة شريك أساسي لا يمكن الاستغناء عنه ، فكلما تحسن التواصل بين الطرفين ، ازدادت فرص الوقاية من المشكلات ، وتحسن المناخ المدرسي ، وتوفرت للتلميذ ظروف أفضل للتعلم والنجاح. وفي الختام أقول أن استدعاء الولي ينبغي أن يكون جسرا للتفاهم لا سببا للخلاف ، وفرصة للإصلاح لا مدخلا للتصعيد ، فالمدرسة والأسرة مسؤولتان معا عن مستقبل أبنائنا ، ولا يمكن بناء مدرسة منضبطة وناجحة إلا بتكامل الجهود ، واحترام القانون ، وتغليب المصلحة الفضلى للتلميذ ، وترسيخ قناعة مفادها أن التربية مسؤولية مشتركة ورسالة نبيلة تتطلب التعاون والثقة والوعي.

المصدر: الشروق