شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

من “حطين” إلى دمشق.. حكاية تمثال صلاح الدين الأيوبي

من “حطين” إلى دمشق.. حكاية تمثال صلاح الدين الأيوبي

من “حطين” إلى دمشق.. حكاية تمثال صلاح الدين الأيوبي

بعد أن باشرت مديرية دمشق القديمة الإجراءات اللازمة لنقل النصب الفني للقائد صلاح الدين الأيوبي من موقعه الحالي أمام قلعة دمشق إلى موقع ملائم، بهدف إجراء أعمال الصيانة والترميم اللازمة، ومعالجة الأضرار التي لحقت به، بما يضمن الحفاظ على قيمته الفنية، تعود إلى الواجهة حكاية القائد العسكري الذي حقق أشهر الانتصارات في دمشق قبل آلاف السنين، فمن هو وما حكاية التمثال الذي التقط كل من مر بجانبه صورة تذكارية معه؟
أمام السور الخارجي لقلعة دمشق، يتربع تمثال القائد العسكري صلاح الدين الأيوبي ممتطياً جواده وإلى جانبه عدد من الجنود، في مشهد يستحضر سيرة أحد أبرز القادة الذين تركوا بصمتهم في تاريخ المنطقة، ويحضر النصب بوصفه علامة بارزة في المشهد العمراني للعاصمة السورية، ونافذة تطل على مرحلة تاريخية ارتبطت بالصراع على بلاد الشام والقدس.
ولا تقتصر أهمية التمثال على موقعه في قلب دمشق القديمة، بل تتجاوز ذلك إلى تفاصيله الفنية والرمزية؛ إذ يجسّد صلاح الدين على صهوة جواده، في تكوين يستعيد صورة القائد العسكري في ساحات المعارك، بينما تظهر إلى جانبه مجموعة من الجنود، في إشارة إلى الانتصار الذي حققه في معركة “حطين” عام 1187.
ويعود تصميم التمثال إلى النحات السوري الراحل عبد الله السيد، الذي أنجزه عام 1993 بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاة صلاح الدين الأيوبي، بمشاركة نزار علوش وفؤاد طوبال، وقد منح هذا العمل النحتي الموقع حضوراً بصرياً خاصاً، جامعاً بين التوثيق التاريخي والتعبير الفني عن شخصية ارتبط اسمها بتحولات كبرى في تاريخ المشرق.
اختار النحات عبد الله السيد أن يقدّم صلاح الدين في هيئة الفارس الممتطي جواده، في تكوين يوحي بالحركة والاستعداد للمواجهة، بعيداً عن الصورة التقليدية للتمثال الثابت.
وتتكامل عناصر العمل مع الشخصيات المحيطة به لتقديم مشهد يستند إلى حدث تاريخي محدد، هو الانتصار في حطين، وما أعقبه من تحولات عسكرية وسياسية.
وقد امتد حضور التمثال إلى الذاكرة البصرية للسوريين من خلال ظهوره على ورقة نقدية سورية من فئة 200 ليرة، الأمر الذي أضاف إلى شهرته المرتبطة بموقعه في دمشق بعداً آخر، وجعل صورته مألوفة خارج محيط الساحة المقابلة للقلعة.
وُلد صلاح الدين يوسف بن أيوب في “تكريت” عام 1137، وينتمي إلى أسرة كردية عسكرية، ونشأ في بيئة سياسية اتسمت بالتنافس بين القوى الحاكمة في المنطقة، وبدأ صعوده في ظل “الدولة الزنكية”، قبل أن يتولى الوزارة في مصر عام 1169، ويؤسس لاحقاً “الدولة الأيوبية” التي امتد نفوذها إلى مناطق واسعة من مصر والشام وأجزاء من الجزيرة العربية.
وفي عام 1187، حقق صلاح الدين انتصاره الأبرز في معركة “حطين”، التي مهدت الطريق أمام قواته لاستعادة القدس في تشرين الأول من العام نفسه، منهيةً بذلك الحكم الصليبي للمدينة الذي بدأ عام 1099.
احتلت دمشق مكانة مهمة في حياة صلاح الدين الأيوبي ومشروعه السياسي والعسكري، إذ اتخذها إحدى أبرز قواعد حكمه، وجعل منها مركزاً لإدارة شؤون بلاد الشام، ومن المدينة التي تعاقبت عليها دول وسلالات حاكمة، انطلقت مرحلة من إعادة تنظيم المنطقة وتوحيد مساحات واسعة منها تحت سلطة الدولة الأيوبية.
وتكتسب هذه العلاقة دلالة خاصة عند الوقوف أمام تمثاله القائم قبالة قلعة دمشق، إحدى أبرز المعالم التاريخية في المدينة، فالقلعة، بما تحمله من شواهد على التاريخ العسكري والسياسي للعاصمة، توفر خلفية تتقاطع مع سيرة قائد عُرف بحملاته العسكرية وإدارته للصراع في بلاد الشام.
ويجمع المكان بين معلمين يحمل كل منهما دلالته الخاصة؛ فالقلعة تستحضر تاريخ التحصينات والدفاع عن المدينة، فيما يعيد التمثال إلى الواجهة شخصية ارتبطت بتوحيد مناطق واسعة من المشرق وبمعارك غيّرت موازين القوى في عصرها، ومن هذا التقاطع، يكتسب النصب حضوره في المشهد العام لدمشق، حيث تتجاور الذاكرة التاريخية مع تفاصيل الحياة اليومية.
توفي صلاح الدين الأيوبي في دمشق عام 1193، ودُفن فيها، لتبقى المدينة مرتبطة بآخر فصول حياته وبذكراه بعد قرون من رحيله، وقد تجاوز حضوره حدود الكتب التاريخية، ليظهر في الأدب والفنون والأعمال الدرامية، بوصفه شخصية ارتبطت باستعادة القدس وبمرحلة بارزة من تاريخ المنطقة.

المصدر: الوطن