"العفو العام" بين الالتباس الدستوري والاحتقان الشعبي!
أعاد قرار المجلس الدستوري بشأن «قانون العفو العام» خلط الأوراق السياسية والقانونية، بعدما بدا أن إقرار القانون سيضع حداً لواحد من الملفات القضائية الأكثر إثارة للجدل في لبنان. فالإبطال الجزئي لبعض أحكامه، وما رافقه من تفسيرات ملزمة، أعادا فتح النقاش حول الفئات المشمولة بالعفو وتلك المستثناة منه، في وقت بدأت فيه الاعتراضات تتجاوز الأوساط السياسية إلى الشارع، وسط مخاوف من اتساع الاحتقان على خلفية ما تعتبره بعض الجهات اختلالاً في المعايير التي اعتمدها القانون. Advertisement وكان الطعن الذي تقدّم به نواب من تكتل "لبنان القوي" قد شكّل محطة أساسية في هذا المسار، إذ استند إلى اعتراضات على جوانب من التشريع، قبل أن يأتي قرار المجلس الدستوري ليؤكد وجود ثغرات تستوجب المعالجة. وفي حين اعتبر "التيار الوطني الحر" أن القرار أثبت وجاهة اعتراضاته، رأت جهات أخرى أن الطعن وما تلاه أعادا تعقيد ملف كان يُفترض أن يفتح باباً لمعالجة أوضاع عدد من السجناء والمحكومين. وهكذا، انتقل الخلاف من إقرار العفو إلى تفسير أحكامه وحدود الاستفادة منه، من دون أن ينجح القرار الدستوري في إنهاء الجدل السياسي المحيط به. غير أن الجانب الأكثر حساسية في هذا الملف بدأ يظهر مع تصاعد الاعتراضات في بعض الأوساط السنّية، التي ترى أن العفو شمل فئات من المحكومين في قضايا خطيرة، فيما بقيت ملفات أخرى خارج نطاقه، وفي مقدّمها قضية الشيخ أحمد الأسير. وقد عبّرت هذه الأوساط عن استيائها من المعايير التي حدّدت المستفيدين والمستثنين، معتبرةً أن استبعاد بعض القضايا يثير تساؤلات تتجاوز الجانب القضائي إلى طريقة تعاطي الدولة مع ملفات تحمل أبعاداً سياسية وطائفية. وبرز في هذا السياق بيان منسوب إلى «أهل السنة في لبنان»، تضمّن اتهامات بالتمييز ودعوات إلى تحركات احتجاجية، ما يعكس مستوى التوتر الذي بدأ يرافق النقاش حول القانون. ولا تنحصر الإشكالية في المطالبة بإطلاق سراح شخص بعينه، بل تتجاوزها إلى العلاقة بين العفو والمحاسبة، وحدود الاستثناءات التي يمكن أن يعتمدها المشرّع. فالعفو العام ليس بديلاً من المحاكمات العادلة، ولا يفترض أن يشكّل وسيلة لإسقاط المسؤولية عن الجرائم بصورة غير مدروسة، خصوصاً عندما تتصل بحقوق الضحايا. في المقابل، فإن إقرار قانون من هذا النوع يفرض توضيح الأسس التي بُنيت عليها الاستثناءات، بما يتيح مناقشتها قانونياً ويحول دون اختزالها في اعتبارات سياسية أو طائفية. ومن هنا، تتجه الأنظار مجدداً إلى مجلس النواب، في ضوء المعطيات عن تحرّك مرتقب للجنة الإدارة والعدل لإصدار توصية بإدراج ملف تفسير «قانون العفو» في صدارة جدول أعمال أول جلسة عامة قد يدعو إليها الرئيس نبيه بري. ويشكّل هذا التوجّه، في حال ترجمته عملياً، فرصة لمعالجة مواطن الالتباس، سواء عبر توضيح النصوص التي تستدعي تدخلاً تشريعياً أو إدخال تعديلات تضمن اتساق القانون مع قرار المجلس الدستوري، من دون المساس بإلزامية القرار أو تجاوز الحدود الدستورية الفاصلة بين السلطات. وفي هذا الإطار، لا بد من التمييز بين صلاحيات المجلس الدستوري في الرقابة على دستورية القوانين، ومسؤولية السلطة التشريعية عن صياغتها وتعديلها. وعليه، فإن استمرار تبادل المسؤوليات بين القوى السياسية لن يقدّم حلاً للمحكومين والموقوفين وعائلاتهم، ولن يزيل المخاوف المرتبطة بتطبيق القانون. أما إعادة الملف إلى النقاش النيابي، ضمن الأصول الدستورية، فقد تتيح معالجة الثغرات بصورة أكثر وضوحاً، بعيداً من تحويل قضية قضائية وإنسانية إلى مادة للتجاذب الطائفي. وفي انتظار اتضاح المسار التشريعي، يبقى التحدي في منع تحوّل الخلاف على العفو إلى مواجهة تتداخل فيها الحسابات السياسية مع الحساسيات المذهبية، خصوصاً أن المطالبة بالمحاكمات العادلة لا تتعارض مع ضرورة المحاسبة، كما أن الاعتراض على الاستثناءات لا يعني بالضرورة المطالبة بعفو شامل. وبين هذين الاعتبارين، تبرز الحاجة إلى معالجة تضع حقوق المتقاضين والضحايا في صلب أي تشريع، وتقدّم إجابات واضحة عن أسباب شمول بعض الجرائم بالعفو واستثناء غيرها. فلا عدالة من دون مساواة، ولا يمكن أن تستقيم المساواة من دون معايير قانونية واضحة تحكم قرارات العفو والاستثناء منه.
المصدر: لبنان 24