"أكتوبر العمران".. خارطة مدن المستقبل
حمود بن علي الطوقي أُسدل الستار على فعاليات «أكتوبر العمران» في نسختها السادسة، وبقيت نوافذ المستقبل التي فتحها مشرعة، فيما تواصل الفعاليات المصاحبة حضورها بقية الشهر. خرجنا من أروقته وفي الذاكرة صور لمدن لم تكتمل بعد، لكنها بدأت تسكن خيال الناس، وبيوت ما زالت على المخططات، لكنها أيقظت أحلام أسر تتطلع إلى حياة جديدة. وبينما كنت أتجول بين أجنحة المعرض، حرصت على قراءة تفاصيل المشاريع ووجدت فيها ملامح فلسفة عمرانية تتشكل على أرض عُمان؛ فلسفة تجعل من المسكن بداية لحياة متكاملة، تتجاور فيها الخدمات والمساحات الخضراء ومرافق العمل والترفيه، ويجد الإنسان في محيطه ما يمنحه الراحة والانتماء. وتلك، في تقديري، إحدى أهم ثمار التوجه الذي تقوده وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، مستندة إلى استراتيجية بعيدة المدى، تهيئ السلطنة، عبر مخططاتها الإسكانية ومدنها المتكاملة ومشاريع «صروح»، لتكون أيقونة لمدن المستقبل، تستمد من أصالة المكان روحها، ومن طموح أبنائها قدرتها على التجدد. لقد جاءت النسخة السادسة مختلفة؛ في تنظيمها، واتساع المشاركة فيها، ونوعية الحضور، وفي قدرتها على تقريب المستقبل من أعين الزوار. ومن يتابع هذا المسار يلمس جهد فريق عمل يقوده معالي الدكتور خلفان بن سعيد الشعيلي، وزير الإسكان والتخطيط العمراني، ويعمل على رسم خارطة جديدة لقطاع الإسكان، تتصل فيها الرؤية بالتنفيذ، وتلتقي فيها طموحات التنمية بتطلعات الناس. وكصحفي ومتابع لهذا الحدث، استوقفني الزخم الإعلامي الذي واكب المعرض، والحضور اللافت للشخصيات والمسؤولين والخبراء، وما دار بين أروقته من حوارات وأسئلة. كان المكان يتحرك بإيقاع الفرص؛ مطور يعرض مشروعه، وزائر يبحث عن مسكن، ومستثمر يقرأ احتمالات الغد. وبحسب الحصيلة المنشورة، شهد الحدث توقيع أكثر من 230 اتفاقية ومذكرة تفاهم وإسناد مناقصة، فيما تجاوزت القيمة الاستثمارية لمشاريع الاتفاقيات العشرين الموقعة في حفل الافتتاح وحده مليار ريال عُماني. وخلف هذه الأرقام تمتد فرص للعمل، ومساحات لنمو المؤسسات، ومشاريع تنتظر أن تفتح أبوابها للناس. فالقيمة الأعمق للاستثمار تظهر حين يتحول إلى منفعة يعيشها المجتمع، وحين يصبح المخطط حيًّا عامرًا، وتجد الأسرة في البيت الجديد بداية أكثر استقرارًا. ومن هنا تأتي أهمية متابعة هذه الاتفاقيات حتى تنضج ثمارها على الأرض، ويصبح أثرها جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. ومما أضاف إلى هذه النسخة اتساع دائرتها لتشمل شركات التصميم والتشييد ومشاريع رواد الأعمال؛ فأصبح لهذه المؤسسات موطئ قدم في تجمع كبير، تعرض فيه خبراتها، وتلتقي بشركاء محتملين، وتفتح لأعمالها أبوابًا أوسع. وهي خطوة تستحق التقدير، لأن مسيرة العمران تحتاج إلى أن تحمل معها طاقات المؤسسات الوطنية، وتمنحها نصيبًا من فرص النمو والمشاركة. كما لفت نظري تشجيع الشباب والمبتكرين من خلال مسابقات تخطيط الوحدات الإسكانية. ففي كل فكرة شابة احتمال لإجابة جديدة عن احتياجات السكن، وفي كل موهبة تجد من يحتضنها إضافة إلى رصيد الوطن. وما أجمل أن يشارك الشباب في رسم البيوت التي ستحتضن جيلهم، وأن تكون لهم بصمة في ملامح المدن التي سيعيشون فيها. وخلال تجوُّلي، طرحتُ على المطورين أسئلة عن الوحدات السكنية الراقية التي يعرضونها، وعن الإقبال عليها، ومدى استعداد السوق لهذه الخيارات. ولمست في إجابات من التقيتهم رضا واضحًا عن الإقبال وصفقات البيع المباشر، ورصدًا لتحول في نظرة شريحة من المواطنين إلى المسكن، خصوصًا الشباب المقبلين على تأسيس حياتهم. وبحسب هؤلاء المطورين، يتنامى الاهتمام بالوحدات المتكاملة والشقق المجهزة، حيث تتوافر الخدمات وتقترب مرافق الحياة اليومية. وهذا التحول جدير بالقراءة؛ فالأجيال الجديدة تحمل تصوراتها الخاصة عن الراحة والاستقرار، وتبحث عن مسكن يلائم إيقاع حياتها. ومن هنا تتعاظم مسؤولية المطورين في تقديم خيارات تجمع بين الجودة والسعر الملائم، ليجد الحلم طريقه إلى الواقع، وتتسع المدن الجديدة لأسر تختلف قدراتها وتلتقي في تطلعها إلى حياة كريمة. ويتسع المشهد العمراني لتتنوع فيه الخيارات تبعًا لتطلعات السكان وقدراتهم؛ فإلى جانب المخططات التي تستقطب الشباب وأصحاب الدخول المتوسطة، شهدنا عروضًا لوحدات بمستويات وتجهيزات فاخرة، تتجاوز أسعار بعضها مليون ريال عُماني، في مشهد تتعدد وجهاته بين مدينة السلطان هيثم ومدينة الثريا والجبل العالي وخليج مسقط. وأقرأ في هذا التنوع توجهًا نحو مدن تستوعب شرائح المجتمع المختلفة، وتوسع أمام الأسر فرص اختيار ما يناسب احتياجاتها وإمكاناتها. وتكتمل قيمة هذا التوجه حين يجمع المكان سكانه على اختلاف دخولهم، ويتشاركون جودة الخدمات وجمال المرافق وروح الجوار؛ فالمدينة التي نحلم بها رحبة بخياراتها، وأرحب بقدرتها على احتضان الجميع. وفي أحد الأجنحة، روى لي مطور قصة توقفت عندها طويلًا. قال إن كنديًا من أصول جزائرية جاء إلى السلطنة قبل نحو عام يبحث عن فرصة لامتلاك مسكن، فاشترى له ولأبنائه، ثم انتقل مع أسرته للعيش في عُمان. حملت الحكاية معنى يتجاوز شراء العقار إلى اختيار مكان تُستأنف فيه الحياة، ويطمئن فيه الآباء إلى غد أبنائهم. وبحسب ما رواه المطور، تتكرر قصص مشابهة بين مشترين ينتمون إلى أكثر من خمسين جنسية، تجذبهم سمعة السلطنة ومكانتها وأمنها. وهنا تتجلى قيمة ما تملكه عُمان من رصيد إنساني؛ طمأنينة تُلمس في تفاصيل اليوم، ومجتمع يألف القادم إليه، واستقرار يمنح العائلة القدرة على أن تمد جذورها في المكان. وتلك مزايا تمنح العمران معناه، وتجعل قرار التملك متصلًا بالرغبة في الاستقرار والإقامة. ومن واقع متابعتي، أرى أن «أكتوبر العمران» رسّخ لنفسه مكانًا بين المعارض التي ينتظرها الجمهور، وأصبح يمضي نحو موعد سنوي تتجدد معه الأسئلة والأحلام والفرص. ويستحضر هذا الإقبال في ذهني شغف الناس بمعرض مسقط الدولي للكتاب؛ ففي أروقة الكتاب نبحث عما يوسع آفاقنا، وفي أروقة العمران نبحث عما يحتضن أيامنا، وكلاهما يتصل برغبة الإنسان في بناء حياة أغنى وأجمل. وتستحق وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، ومعالي الدكتور خلفان بن سعيد الشعيلي وفريق العمل، الإشادة بما قدمته هذه النسخة من حضور وتنظيم ورؤية. ويبقى الأثر الأجمل أن نرى ما تأملناه في المجسمات والمخططات أحياءً عامرة، تمتلئ نوافذها بالضوء، وحدائقها بخطوات الأطفال، وطرقاتها بحركة الحياة. فوراء كل مخطط عمراني جديد قصة تنتظر أن تُروى؛ أسرة تبدأ حياة، وشاب يحقق حلمًا، ورائد أعمال يجد فرصة، ومجتمع تتشكل ملامحه. وهكذا تمضي قاطرة التغيير نحو المستقبل، محطة بعد أخرى، وتكتب عُمان بالعمران فصلًا جديدًا من حكايتها، يكون الإنسان فيه جوهر الرؤية وغاية المسير.
المصدر: الرؤية