من عنفوان الساحات إلى خيبات اليوم... 17 تشرين في عيون من عاشوها
في خضمّ هذا المسار، يعود السؤال: لماذا لا ينتفض الشارع مجدداً، فيما تتفاقم الأوضاع المعيشية وتبدو أكثر قسوة مما كانت عام 2019؟ وهل كانت ثورة 17 تشرين لحظة عابرة، أو أنّ ما بدأ في الساحات ترك أثراً يتجاوز نتائجها المباشرة؟
"النهار" تواصلت مع ناشطين لاستذكار ما حدث واستعادة تفاصيل تلك الأيام وتقييم ما بقي منها. فبين اتهامات طالت الانتفاضة، من التشكيك في دوافع المشاركين إلى الحديث عن تمويل سفارات ومحاولات توظيف التحرك سياسياً، وشهادات من عاشوا التجربة في الشارع، تتكشف حكايتان عن الأمل والعنف والخيبات، وعن ثورة لم يتفق المشاركون حتى اليوم على حصيلة واحدة لها.

من 10 أشخاص إلى ساحات ممتلئة
يروي الناشط السياسي ماهر أبو شقرا أن نزوله إلى الشارع لم يكن وليد صباح 17 تشرين وحده. فقد سبقت الانتفاضة أجواء من الغضب، غذّتها الحرائق التي اجتاحت مناطق لبنانية، ولا سيما الشوف، وعجز الدولة عن التعامل معها بفاعلية، فيما بادر الأهالي إلى تنظيم جهود الإغاثة بأنفسهم. وفي الوقت نفسه، كان اقتراح فرض ضرائب جديدة على اتصالات "واتساب" وزيادات على المحروقات يفاقم الاحتقان.
يستعيد أبو شقرا الساعات الأولى قائلاً إنّ مجموعة من الناشطين أعدّت، صباح الخميس، عريضة احتجاجية ضد الضرائب، حصدت آلاف التوقيعات خلال ساعات. عندها، تقرّر تقديم موعد التحرك الذي كان مقرراً يوم الإثنين 21 تشرين الأول، ليبدأ بعد ظهر اليوم نفسه.
في البداية، لم يتجاوز عدد المشاركين العشرة أشخاص. لكنّ الانتقال من ساحة رياض الصلح إلى قطع طريق "الرينغ" شكّل نقطة تحوّل بحسب أبو شقرا، إذ استقطب اهتمام الإعلام ودفع مزيداً من الناس إلى النزول من سياراتهم والانضمام إلى التحرك. سرعان ما امتلأت الساحات، ونُصبت الخيم، وانطلقت حلقات النقاش في بيروت ومناطق أخرى.

أما المحامية فيرينا العميل التي كانت حينها طالبة جامية فقد اختبرت العمل الطالبي والعلماني منذ عام 2016. بالنسبة إليها، لم يكن النزول إلى الشارع قراراً منفصلاً عن تلك التجربة، بل بدا امتداداً لشغف وإيمان بإمكان التغيير. تتذكر تلك المرحلة بوصفها زمناً استثنائياً، شعر فيه المشاركون بأنّ المستقبل مفتوح أمامهم، وأنّ التغيير لم يعد حلماً بعيداً.
لم تقتصر أهمية الساحات، وفق روايتها، على الاعتصام ورفع شعارات "كلّن يعني كلّن". فقد فتحت الانتفاضة نقاشات حول مواضيع كانت محرّمة سياسياً، بينها الحرب الأهلية وتبعاتها، وكسرت حواجز بين مناطق لبنانية مختلفة. وكان ذلك بالنسبة إليها أحد أبرز وجوه التجربة: أن يلتقي اللبنانيون خارج الاصطفافات الحزبية والطائفية التي فرّقتهم.
الخيم تحت الهجوم
هذا التقارب لم يمرّ من دون مواجهات. يروي أبو شقرا أنّ الخيم والمتظاهرين تعرّضوا لاعتداءات متكررة، شملت محاولات إحراق الخيم وضرب المشاركين، معتبراً أنّ استهداف المساحات العامة كان محاولة لضرب حركة الاحتجاج والتضامن الذي نشأ بين الناس. ويتذكر محطات بالغة القسوة، سقط خلالها ضحايا وأُصيب متظاهرون إصابات خطيرة بالرصاص، وصلت لدى البعض إلى القلب والشرايين الرئيسية.
وتحمل فيرينا رواية شخصية عن ذلك العنف. فقد أُصيبت رجلها خلال الانتفاضة، ولا تزال حتى اليوم تخضع لجلسات علاج فيزيائي. بالنسبة إليها، لم تكن المواجهات وتحطيم الخيم تفصيلاً عابراً، بل هي جزء من التجربة التي عاشها المتظاهرون، وما زال بعضهم يحمل آثارها.

هل سرقت الأحزاب الثورة؟
تقرّ العميل بأن الغضب والانزعاج كانا يسيطران عليها مع رؤية الأحزاب والمسؤولين يخرقون الثورة.
ويلاحظ أبو شقرا أنّ الانتفاضة بصيغتها الأولى انتهت في 29 تشرين الأول 2019، مع استقالة حكومة سعد الحريري. وبعد ذلك، تفرّعت المسارات، ودخلت قوى سياسية محاولة توظيف المزاج الشعبي لمصلحة مشاريعها، وهو أمر طبيعي في رأيه، يحدث في كل الثورات عبر التاريخ حيث تتمكن القوى الأكثر تنظيماً من قطف النتائج.
ومع ذلك، لا يرى أنّ الثورة فشلت، بل حققت أهدافها الأساسية آنذاك: إسقاط الحكومة التي كانت مؤلفة بأكثريتها من "التيار الوطني الحرّ" والثنائي الشيعي، والتراجع عن الضرائب المقترحة. أما الدرس الأهم، في نظره، فهو أنّ أي تحرك مقبل يحتاج إلى مشروع سياسي واضح ومنظّم، كي لا يبقى الغضب الشعبي عرضة للتوظيف.
في المقابل، تبدو حصيلة التجربة أكثر إيلاماً بالنسبة إلى العميل. فمن أكبر خيباتها الهجرة الواسعة للشباب الذين صنعوا الانتفاضة، واكتسبوا خبرة سياسية، وطرحوا أسئلة عن شكل الدولة ومستقبلها. وتقول إنّ خسارة هذا الجيل الذي كان قادراً على المشاركة في التغيير، تركت فراغاً يصعب تعويضه.

لمَ لا ينتفض الشارع مجدداً؟
يقرّ أبو شقرا بأنّ الظروف المعيشية اليوم أشدّ قسوة، لكنه يميّز بين أزمة 2019 والأوضاع الراهنة التي جاءت نتيجة للحرب. ويرى أنّ اللبنانيين يدركون ذلك، لكنّ هذا لا يلغي ضرورة الضغط على الحكومة للمطالبة بإصلاحات لا ترتبط بالحرب، ولا سيما في النظام الضريبي وإدارة الموارد العامة.
أما العميل، فتربط صعوبة التحرّك اليوم بتراكم الخيبات، واتساع رقعة الفقر والهجرة، وتراجع الأمل الذي دفع الشباب إلى الساحات. فالمشكلة بالنسبة إليها ليست في غياب الأسباب التي تستدعي الاحتجاج، بل في تقلّص القدرة على المبادرة، بعدما خسر لبنان جزءاً كبيراً من شبابه الفاعل.
بعد سبع سنوات، لا يتفق الشاهدان على تقييم واحد للنتائج. إذ يرى أبو شقرا في ثورة 17 تشرين محطة أساسية في مسار نضالي مستمر، فيما تستحضر العميل ما انكسر من أحلامها وما خسره لبنان من طاقات شابة. وبين هاتين الرؤيتين، لا يزال كثيرون يتمنّون لو أنّ السنوات السبع التي انقضت لم تكن سوى كابوس، ولو كانوا يستطيعون الاستيقاظ منه والعودة إلى تلك اللحظة التي بدا فيها التغيير ممكناً!
المصدر: النهار