شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

مسيّرات البحر الأسود تضع الناتو أمام مأزق... متى يردّ؟

مسيّرات البحر الأسود تضع الناتو أمام مأزق... متى يردّ؟

سبع سفن تجارية على الأقل تعرضت لهجمات بالمسيّرات في البحر الأسود خلال تشرين الأول/أكتوبر، سقط فيها قتيلان وفُقد 25 شخصاً على الأقل. ومع اقتراب الهجمات من سواحل دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يتصاعد سؤال حساس: هل يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى جسّ نبض الحلف، أم أن الحرب على أوكرانيا بدأت تتجاوز حدود السيطرة؟

آخر الهجمات طالت ناقلتي المواد الكيميائية "واين تريدر" و"يارا جي" قرب السواحل الرومانية، يومي 14 و15 تشرين الأول/أكتوبر، فيما استأنفت السلطات الرومانية البحث عن سبعة بحارة مفقودين.

ورغم توجّه الشبهات نحو روسيا، لم تُحسم مسؤوليتها رسمياً. ونقلت "رويترز" عن مصدر عسكري في الناتو أن المسيّرات التي أصابت الناقلتين جاءت من روسيا، بينما أقرّ رئيس الوزراء البلغاري رومن راديف بأن الهجمات تخدم مصالح موسكو، لكنه شدّد على غياب الأدلة القاطعة.

المادة الخامسة... أين تبدأ حدود الدفاع؟

تتمثل المعضلة في أن معظم الهجمات وقعت داخل المناطق الاقتصادية الخالصة لرومانيا وبلغاريا، التي تتمتع فيها الدولتان بحقوق اقتصادية، لكنها لا تُعدّ تلقائياً جزءاً من مياههما الإقليمية.

وهذا التمييز يطرح إشكالية قانونية بشأن المادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تنصّ على الدفاع الجماعي في حال تعرّض دولة عضو لهجوم مسلّح. فتفعيلها ليس تلقائياً، كما أن مدى انطباقها على الهجمات التي تستهدف سفناً تجارية داخل المناطق الاقتصادية الخالصة يبقى موضع نقاش.

وفي مواجهة التهديد، طلبت بلغاريا أمس من الحلف نشر طائرات مقاتلة ومنظومات مضادة للمسيّرات. وأكد أمينه العام مارك روته تعزيز القدرات الدفاعية على الجناح الشرقي، مع الاستعداد لتعديل إجراءات الردع.

لقطة مأخوذة من مقطع فيديو تُظهر حريقاً على متن سفينة يُعتقد أنها ناقلة نفط في مدينة سوتشي الروسية على البحر الأسود في 6 تشرين الاول. (أ ف ب)

هل تراهن موسكو على تردّد الناتو؟

يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة قناة السويس، رئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية جمال زهران، أن التصعيد الروسي "محسوب"، وأن موسكو تسعى من خلال الاقتراب من حدود دول أعضاء في الناتو إلى معرفة مدى استعداد الحلف للمواجهة.

ويوضح لـ"النهار" أن روسيا تراقب ما إذا كانت هذه التحركات ستدفع الناتو إلى التدخل عسكرياً، أم أن ردّه سيقتصر على تعزيز الدفاعات ورفع مستوى التأهب.

ويربط زهران حذر الأوروبيين بتراجع الغطاء الأميركي مقارنة بعهد الرئيس السابق جو بايدن، مع اختلاف أولويات إدارة دونالد ترامب، ما يجعل الدول الأوروبية أقل استعداداً لتحمّل تبعات صدام مباشر مع روسيا.

لكن ثمة بُعداً آخر للهجمات، يتعلق بالضغط على الاقتصاد الأوكراني. فالسفن المستهدفة تتحرك قرب ممرات حيوية لتصدير الحبوب، فيما ترتفع كلفة التأمين على الملاحة في المنطقة، بما يضاعف الضغوط على التجارة الأوكرانية.

تحذيرات روسية من توسيع الحرب

من جهته، يعتبر الدكتور في القانون والعلاقات الدولية بشارة صليبا، في حديث لـ"النهار"، أن موسكو حذّرت مراراً من استمرار التصعيد، ودعت إلى تسوية سياسية تراعي مصالحها الأمنية وتقوم على حياد أوكرانيا.

وبرأيه، فإن الرهان الأوروبي على إضعاف روسيا اقتصادياً وعسكرياً لم يحقق أهدافه، في ظل توسّع إنتاجها العسكري واستمرار اعتماد كييف على الدعم الغربي.

ويحذّر من أن استهداف المنشآت والبنية التحتية الروسية بدعم أوروبي قد يدفع موسكو إلى توسيع ردودها، وصولاً إلى استهداف منشآت عسكرية داخل دول أعضاء في الناتو.

ولا يستبعد صليبا احتمال توجيه ضربة عسكرية تكتيكية حاسمة، لكنه يستبعد حدوث ذلك قريباً، مع استمرار قدرة روسيا على ممارسة الضغط داخل الساحة الأوكرانية.

في المقابل، يرفض خبير السياسة الروسية والدولية الدكتور حسام العتوم، في تصريح لـ"النهار"، فرضية سعي موسكو إلى مهاجمة الناتو، مؤكداً أن "روسيا تدافع عن سيادتها ولا تهاجم من أجل الهجوم".

ويستشهد بتحذيرات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من تحركات الحلف في منطقة أوراسيا، مشيراً إلى أن موسكو تدرك حجم التهديدات، لكنها لا تتعجّل اتخاذ قرار بالمواجهة المباشرة.

وبين الشكوك في هوية منفذي الهجمات، والحذر الأوروبي من توسيع الحرب، يجد الناتو نفسه أمام معادلة معقدة: حماية الملاحة وردع التهديدات من دون التورّط في صدام مع روسيا. لكن استمرار ضرب السفن يرفع احتمال وقوع حادث تتجاوز تداعياته حدود البحر الأسود.


المصدر: النهار