شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

طلال أبوغزالة… رجلٌ سبق المستقبل

طلال أبوغزالة… رجلٌ سبق المستقبل

د. صالح سليم الحموري هناك رجال ينجحون في زمنهم، وهناك رجال تتجاوز عقولهم حدود الزمن الذي يعيشون فيه. لا يكتفون بفهم ما يحدث، بل ينشغلون بما لم يحدث بعد. يلتقطون "الإشارات الصغيرة" قبل أن تتحول إلى "موجات كبرى"، ويسألون عن "الغد" بينما لا يزال الآخرون منشغلين بتفسير "الأمس".وحين أتأمل تجربة طلال أبوغزالة، أجدني أمام شخصية عربية تستحق أن نقرأها من زاوية مختلفة؛ ليس باعتباره رجل أعمال بنى مؤسسات ناجحة فحسب، بل باعتباره "عقلًا" ظلّ مشغولًا بالمستقبل، حتى أصبح "الاستشراف" جزءًا من طريقته في التفكير والعمل.عرفت أفكاره من خلال كتاباته ومحاضراته، وحرصت على حضور كثير من لقاءاته، كما أتيحت لي فرصة لقائه والاستماع إليه عن قرب. وما بقي في ذاكرتي ليس حديثه عن الاقتصاد والتكنولوجيا وحدهما، بل تلك اللحظات التي استمعت فيها إلى "الموسيقى الكلاسيكية" بحضرته، وهو المعروف بشغفه بها.يومها خطر ببالي أن "الموسيقى والاستشراف" يشتركان في شيء عميق: القدرة على سماع ما لا يسمعه الآخرون، واكتشاف الانسجام وسط الضجيج.في تاريخ الفكر، حذّر المستشرف "ألفين توفلر" من "صدمة المستقبل" وسرعة التحولات التي قد تتجاوز قدرة الإنسان على التكيف. وانشغل "برونو لوساتو" بتأثير المعلوماتية في المجتمعات والمؤسسات. أما "جورج أورويل"، فقد استخدم الخيال الأدبي للتحذير من عالم تتداخل فيه التكنولوجيا والمعلومات والسلطة.ولا أقارن بين هذه التجارب المختلفة في طبيعتها ومنهجها، لكنني أجد بينها خيطًا فكريًا مشتركًا: عدم التسليم بأن الحاضر هو الصورة النهائية للعالم.ومن هذه الزاوية أقرأ طلال أبوغزالة.فمنذ سنوات، وقبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي حديث المجالس والمؤتمرات، كان يطرح أسئلة جوهرية حول "اقتصاد المعرفة والتعليم الرقمي ومستقبل المهارات". وفي عام 2013، تحدث عن "موجة تكنولوجية" ستفرض تحولات عميقة على التعليم التقليدي. وفي عام 2018، دعا إلى "تعليم يصنع المبتكرين" بدل الاكتفاء بتخريج حملة الشهادات، وإلى الاهتمام بالذكاء الاصطناعي في المؤسسات التعليمية.لم تكن قيمة هذه الأفكار في أنها تنبأت بكل ما حدث لاحقًا، بل في أنها طرحت أسئلة الاستعداد قبل أن تصبح التحولات واقعًا يفرض نفسه.وهنا يجب أن نكون منصفين؛ فالمستشرف ليس نبيًا للمستقبل، ولا تُقاس قيمة تجربته بعدد توقعاته الصحيحة. قد يصيب في الاتجاه ويخطئ في التوقيت، وقد يرى فرصة لا تتحقق، أو خطرًا يتخذ مسارًا مختلفًا.الاستشراف الحقيقي ليس أن تعرف ماذا سيحدث، بل أن تمتلك "الشجاعة" لتستعد لما يمكن أن يحدث.وما يميز تجربة أبوغزالة أنه لم يكتفِ بالحديث عن المستقبل، بل حاول ترجمة بعض رؤاه إلى مبادرات ومؤسسات في المعرفة والتعليم والتكنولوجيا. وهذه نقطة تستحق التأمل؛ فالمسافة بين من يتحدث عن التغيير ومن يستثمر في الاستعداد له هي المسافة بين الفكرة والفعل.لكن السؤال الأهم بالنسبة لي لا يتعلق بطلال أبوغزالة وحده، بل بنا نحن.لماذا نعرف أن التعليم سيتغير، ثم نستمر أحيانًا في إعداد أبنائنا لعالم يتراجع؟ ولماذا نتحدث عن اقتصاد المعرفة، بينما نستهلك من التكنولوجيا أكثر مما ننتج؟ ولماذا نحتفي بالابتكار في المؤتمرات، ثم نعود إلى مؤسسات تخشى التجريب؟ربما لا تعاني مجتمعاتنا من نقص الحديث عن المستقبل، بقدر ما تعاني من اتساع الفجوة بين معرفته والاستعداد له.وهذه، في تقديري، إحدى أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من تجربة أبوغزالة: أن نحول الاستشراف من "نشاط فكري" إلى "قدرة مؤسسية"، ومن "توقعات" تُقال إلى "قرارات تُتخذ"، ومن "خوف" من المجهول إلى "استثمار" واعٍ في الممكن.قبل أن أنهي…لا أعتقد أن عظمة الإنسان تكمن في أن تكون جميع توقعاته صحيحة، بل في أن يحتفظ "بفضوله وشغفه وقدرته على التعلم"، مهما امتدت تجربته وتراكمت إنجازاته.وطلال أبوغزالة، سواء اتفقنا مع بعض رؤاه أو اختلفنا معها، يقدم نموذجًا لرجل لم يسمح "للماضي" الذي صنعه أن يشغله عن "المستقبل" الذي يتشكل.هناك من ينتظر المستقبل ليعرف ماذا يحمل له، وهناك من يبدأ الاستعداد له قبل أن يصل.وطلال أبوغزالة، في تقديري، من أولئك الذين لم ينتظروا المستقبل… بل حاولوا أن يسبقوه.* كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية

المصدر: عمون