علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: المرأة العُمانية.. ومسيرة التمكين
بقلم : علي بن راشد المطاعني بدأ الاهتمام بالمرأة العُمانية منذ بواكير النهضة المباركة في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، حين فُتحت أمامها أبواب التعليم والعمل والمشاركة في بناء الوطن أسوة بالرجل، انطلاقًا من نهج وطني آمن بأن التنمية لا تكتمل دون مشاركة المرأة والاستفادة من طاقات المجتمع كافة. وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، تطورت مسيرة تمكين المرأة كمًّا ونوعًا، من إتاحة فرص التعليم والتوظيف إلى تولي المناصب القيادية والمشاركة في صنع القرارات، وتمثيل سلطنة عُمان في المحافل الإقليمية والدولية، والعمل في مجالات الاقتصاد والاستثمار والقضاء والقطاعات العسكرية والأمنية وغيرها. وخلال هذه المسيرة، أثبتت المرأة كفاءتها وقدرتها على تحمل المسؤولية، رغم التحديات المجتمعية والثقافية التي صاحبت مراحل التغيير.ومن أحدث محطات هذه المسيرة التوجيه السامي الذي تفضل به حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه- في يونيو 2026، بتخصيص أحد عشر مقعدًا إضافيًا منتخبًا للمرأة في مجلس الشورى، بواقع مقعد لكل محافظة، مع استمرار حقها في المنافسة على المقاعد العامة. وتمثل هذه الخطوة تطورًا مهمًا في مسار المشاركة السياسية، ومعالجة لمحدودية تمثيل المرأة في المجلس.وفي تقديري، يعكس هذا التوجيه السامي اهتمامًا بمعالجة الجمود المجتمعي الذي أثر في فرص وصول المرأة إلى مجلس الشورى، رغم ما أثبتته من كفاءة في مختلف مجالات العمل. وتبقى مواكبة القناعات المجتمعية لهذا التطور ضرورية، إلى جانب تعزيز قدرة المرأة على التواصل مع الناخبين وإقناعهم بكفاءتها وبرامجها؛ فالمشاركة السياسية لا تتحقق بالتشريعات وحدها، بل تحتاج إلى ثقافة مجتمعية تؤمن بالكفاءة، ومرشحات يمتلكن التأهيل والخبرة والقدرة على كسب الثقة.ويأتي الاحتفال بيوم المرأة العُمانية في السابع عشر من أكتوبر من كل عام تقديرًا لدورها في مسيرة الوطن، واستحضارًا لمنجزاتها وتقييمًا لما تحقق وما يحتاج إلى مزيد من العمل. وتكمن أهمية المناسبة في اتخاذها محطة سنوية لمراجعة مؤشرات التمكين والفرص المتاحة، وتحديد المجالات التي تتطلب مزيدًا من التطوير.ولا تزال أصداء ندوة المرأة العُمانية، التي عُقدت في سيح المكارم بولاية صحار خلال الفترة من 17 إلى 19 أكتوبر 2009، حاضرة في ذاكرتي الإعلامية. فقد كنت من الإعلاميين القريبين من ذلك الحدث الوطني، وتابعت مناقشاته حول قضايا المرأة ومستقبل مشاركتها في التنمية، والتوصيات التي خرج بها وشكلت محطة بارزة في مسيرة الاهتمام الوطني بها. وعند مقارنة ما كان عليه الوضع آنذاك بما تحقق، تتضح حجم المنجزات التي شهدتها مسيرة المرأة العُمانية.وجاءت المباركة السامية من السلطان قابوس بن سعيد المعظم، طيب الله ثراه، لتوصيات الندوة، ومن بينها تخصيص السابع عشر من أكتوبر يومًا للمرأة العُمانية، لتصبح المناسبة موعدًا سنويًا لاستعراض منجزاتها وإسهاماتها في خدمة المجتمع.وأكد السلطان قابوس بن سعيد، في خطابه السامي أمام مجلس عُمان في السادس عشر من نوفمبر 2009، أهمية استفادة المرأة من الفرص المتاحة وإثبات جدارتها وقدرتها على تجاوز العقبات. وتظل هذه الرسالة حاضرة، إذ يقوم التمكين على تكامل الفرص التي توفرها الدولة مع المبادرة والكفاءة اللتين تثبتهما المرأة في مواقع العمل والمسؤولية.وقد أصبحت المرأة العُمانية وزيرة ووكيلة وزارة ومديرة عامة ورئيسة تنفيذية وسفيرة وعضوة في مجلس الدولة ومجلس الشورى والمجالس البلدية واللجان المتخصصة، كما برز حضورها في الادعاء العام والمحاماة والاقتصاد والهندسة والطب والأوساط الأكاديمية والبحثية والتقنيات الحديثة.وتشير البيانات إلى أن عدد العُمانيات العاملات في وظائف الإدارة العليا والوسطى والمباشرة في الخدمة المدنية بلغ 3,363 امرأة في عام 2025، بما يمثل نحو 25.28% من إجمالي العُمانيين العاملين في هذه الوظائف، البالغ عددهم 13,302. إلى جانب وجود ست وكيلات وزارة، و171 مديرة عامة، و95 مساعدة مدير عام، و881 مديرة دائرة، و983 رئيسة قسم، و136 مستشارة.وامتد هذا التمكين إلى الاستثمار وريادة الأعمال، مع تزايد حضورها في تأسيس المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وإدارة الأنشطة التجارية والصناعية والخدمية. وتشير بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن عدد العُمانيات العاملات في وظائف المديرين العامين ومديري الأعمال والاستثمار بلغ 57,316 امرأة في عام 2025، بما يعكس اتساع حضور المرأة في المجالات الإدارية والاقتصادية.وتظل المشاركة السياسية من المجالات التي تكشف عن منجزات التمكين والتحديات القائمة. فقد دخلت المرأة مجلس الشورى منذ تسعينيات القرن الماضي، وشاركت في الانتخابات والعمل البرلماني، إلى جانب حضورها في مجلس الدولة والمجالس البلدية واللجان المتخصصة.وارتفع عدد عضوات مجلس الدولة من 15 عضوة في الفترة السابعة إلى 18 عضوة في الفترة الثامنة الممتدة من 2023 إلى 2027، وبلغت نسبة تمثيل المرأة عند تشكيل المجلس نحو 21%.في المقابل، لم تفز أي امرأة بمقعد في انتخابات مجلس الشورى للفترة العاشرة عام 2023، رغم ترشح 32 امرأة. وتكشف هذه النتيجة عن فجوة بين حضور المرأة في المناصب القيادية والمهنية وقدرتها على الوصول إلى التمثيل البرلماني عبر الانتخابات، ما يؤكد الحاجة إلى تعزيز الثقة المجتمعية بالمرشحات، وتطوير الثقافة الانتخابية، ورفع قدرات النساء على إدارة الحملات والتواصل مع الناخبين.وأرى أن التوجيهات السامية الأخيرة ينبغي أن تشكل منطلقًا لتعزيز المشاركة السياسية النوعية للمرأة وتأهيلها للعمل البرلماني والرقابي والتشريعي، بحيث يكون التمثيل وسيلة لإثراء العمل الوطني والاستفادة من الخبرات والكفاءات النسائية.وفي المجال الدبلوماسي، أصبحت المرأة العُمانية تمثل بلادها سفيرة لدى الدول الشقيقة والصديقة، وتشارك في الوفود الرسمية والمفاوضات والمؤتمرات والمنظمات الإقليمية والدولية. حيث بلغ عدد السفيرات العُمانيات سبع سفيرات، وفق بيانات عام 2024، إلى جانب 47 دبلوماسية عُمانية تعمل في بعثات السلطنة بالخارج، بما يعكس حضور الكفاءات النسائية في تمثيل مصالح البلاد والتعامل مع القضايا الدولية.كما أسهمت جمعيات المرأة العُمانية على مدى عقود في تأهيل النساء وتنمية مهاراتهن وخدمة الأسر والمجتمع، إلى جانب تطوير المشروعات المنزلية والإنتاجية. وتشير البيانات الإحصائية لعام 2025 إلى وصول عدد هذه الجمعيات إلى 70 جمعية، تضم 12,269 عضوة، واستفادت من أنشطتها وبرامجها 57,445 امرأة، بما يؤكد دورها في استكمال جهود الدولة في التمكين الاجتماعي والاقتصادي.إن التوجيهات السامية تؤكد أن الاهتمام بالمرأة نهج وطني مستمر، يتطور مع تطور المجتمع ومؤسساته واحتياجاته.كما يعكس ما تحظى به المرأة من رعاية وتقدير من السيدة الجليلة حرم جلالة السلطان المعظم، حفظها الله، وتكريم نماذج نسائية متميزة في مختلف القطاعات، استمرار الاهتمام بدورها في بناء الأسرة والمجتمع والوطن.نأمل أن تتكلل جهود المرأة العُمانية بالنجاح في خدمة وطنها ومجتمعها، وأن يفتح التمكين الهادف أمامها آفاقًا أوسع للتقدم، بما يعزز دورها في مسيرة التنمية الوطنية.
المصدر: الشبيبة